الرئيسية / وجهات نظر / شهداء مصر فى ليبيا
4fa5d681d6835b873b1693220ef238ad

شهداء مصر فى ليبيا

من المؤكد أن المجرمين الليبيين الذين أعدموا بالرصاص سبعة من المواطنين المصريين المسيحيين،لا يعرفون أن المسيحية دخلت مصر من ليبيا، حيث كان يعيش القديس مرقس الرسول فى برقة، وكان من قبل فى صحبة القديس بطرس فى روما!.
ومن المؤكد أن هؤلاء المجرمين، الذين أقدموا على هذه الجريمة العنصرية، التى تفوق جرائم النازية والفاشية، لا يعرفون أن الثراء اللاهوتى المسيحى فى مصر والمنطقة، أسهم فيه أساقفة من أصول ليبية، كالأسقف آريوس السكندرى الذى ولد هناك! ومن المؤكد ثالثًا أن القتلة لا يعرفون أن بابا الكنيسة المصرية له لقب كنسى تاريخى رسمى تدخل فيه باعتزاز المدن الخمس وسائر إفريقيا، ومعظم تلك المدن يقع فى ليبيا.
ومن المؤكد رابعًا أن المجرمين العنصريين القتلة لا يلتفتون لحظة واحدة إلى أن الإسلام دخل إلى ليبيا من مصر، وأن أجداد هؤلاء الشهداء هم من استقبل الفاتحين العرب، وتعامل معهم، ولم يشترك مع الرومان فى حربهم!.
أقول من المؤكد، لأن طوفان الجهل الذى أنتج مستنقعات من فقر الفكر، وجفاف الوجدان، وضمور العاطفة، وانعدام الضمير، قد عشناه هنا فى مصر عندما طفح على جلدها سرطان الإخوان الإرهابيين، ومن اتفق معهم فى المرجعية ذاتها، ومصر هى مصر، حضارة وثقافة وفكرًا ومعرفة وحضورًا فى سجلات الخلود الوجدانى الإنساني، فما البال إذا كان ذلك الطوفان بمستنقعاته قد حدث ومازال يفرز سخامه فى بيئة ليست كمصر، بغير أدنى تعالٍ أو ضيق أفق وتعصب لوطن نحبه.. ونعلم أن كل أبناء أمتنا العربية الأسوياء يحبونه!.
إن هذه الجريمة العنصرية البشعة التى راح ضحيتها مسيحيون من أبناء مصر ومن مواطنيها، لا يمكن أن تمر مرور الكرام، رغم علمى بأن وضع مصر السياسى والأمنى والاقتصادى لا يمكنها من اتخاذ وتنفيذ قرارات تعاقب أولئك المجرمين وتوجعهم بغير رحمة، ورغم علمى بأن الحكومة الليبية فى وضع لا تُحسد عليه هى الأخرى، ولكن هذا كله يجب ألا يمنعنا من التحرك والعمل على مختلف المستويات، لنأخذ حق هؤلاء الشهداء، أولاً بتعويض أسرهم تعويضًا مناسبا، ثم نعمل على عودة واستيعاب أبنائنا من هناك، ثم نتجه إلى ما هو أهم وأخطر فى نظري.
إن الأهم والأخطر هو أننا وقد عرفنا أبعاد الظاهرة ووثقنا ـ من التوثيق ـ بعشرات وسائل التسجيل ما يفعله ذلك التيار المجرم العنصري، فإن تحركنا على مستوى الهيئات الإقليمية والدولية لحصاره، وتعميم صفته الإرهابية هو تحرك واجب، ثم إن مقاومة هذا التيار بجميع أشكاله ورموزه أضحت هى الأخرى واجبًا وطنيًا فوق أنها واجب حضارى وثقافى وضميري، ومن هنا يجب عدم الالتفات إلى كل الدعاوى التى تخرج بين فترة وفترة، يدعى أصحابها أنهم يسعون للإصلاح وللمصالحة، ولإعادة اللحمة الوطنية كما كانت عليه، وهى كلها دعاوى مشبوهة وأصحابها ليسوا فوق مستوى الشبهات.
إن ترك الأمور على ما هى عليه دون مقاومة، ودون استنهاض لكل همة أن تسهم فى هذه المقاومة، سوف يزيد من اتساع رقعة هذا الجرم العنصرى الذى يفوق النازية ـ كما أسلفت ـ ولنا أن نتخيل لحظة ينتقل فيها القتل من قتل على الهوية الدينية إلى قتل على الهوية المذهبية، إلى قتل على الهوية ما دون المذهبية، ثم إلى قتل على الهوية الوطنية، أى لمن يحمل جنسية مغايرة وهلم جرا.
ثم إن جهدًا آخر يجب أن نوجهه إلى الغرب الأمريكى والأوروبي، أى تحالف الناتو، الذى تدخل لضرب وتفكيك النظام الذى كان قائمًا، وكان الليبيون متماسكين خوفا منه ورعبًا أو طواعية وحبًا، فلسنا بصدد تقييم نظام القذافي، وسبق وأن كتبت عن موقفى ألا وهو إدانة الاستبداد والفساد والجهل والغرور، وكلها كانت سمات ذلك النظام.. غير أن الناتو وهو يسارع وبقوة السلاح من وتائر تغيير النظام لم يقدم ملمحا واحدًا للبديل الذى يجب أن يحل محل النظام المنتهي، وواضح أن الفوضى والدمار وتفتيت المجتمع الليبى كانت هى البديل المستقر فى أجندة التحالف الأطلسي.. وعندئذ ومن نقطة حدوث تلك الجريمة البشعة ضد مواطنين مصريين يعيشون فى سلام، ولا يمارسون أى إرهاب، ولمجرد أنهم غير مسلمين، فإن خطابًا سياسيًا وثقافيًا أكثر عمقًا يجب أن نوجهه إلى الغرب لنقول بملء قوتنا: هذه هى نتائج ما أردتموه للمنطقة.
لقد آن الأوان أن تضع الحكومة المصرية الجديدة، ومعها ومن قبلها ومن بعدها مؤسسة رئاسة الجمهورية، التى يُرجح أن يكون المشير السيسى رجلها الأول، خططا لحماية المصريين فى الخارج .. أرواحهم.. وصون كرامتهم.. وضمان حقوقهم.. وحقًا كما قال الشاعر: إذا أقبلت باض الحمام على الوتد / وإذا أدبرت بال الحمار على الأسد.
“الأهرام”