الرئيسية / وجهات نظر / البوليساريو: أزمة هيكلية واحتضار طويل
حسن-السوسي

البوليساريو: أزمة هيكلية واحتضار طويل

لم تنشأ جبهة البوليساريو في ظروف طبيعية، ولم تحدد لنفسها أهدافا طبيعية، وكانت، منذ انطلاقها، في مايو 1973، بحاجة الى من يرعاها مقابل خدمة أهدافه السياسية والاستراتيجية دون قيد أو شرط. وكان لها ما أرادت، عندما احتضنها العقيد الليبي معمر القذافي، ومكنها من المال والسلاح، الذي رآه ضروريا، ليس لتحرير الأقاليم الصحراوية كما يدل عليه اسمها، الذي اختير بمستوى عال من المكر قصد التمويه وعدم كشف أهدافها، وانما لعرقلة مساعي المغرب لاسترجاع الصحراء من الاستعمار الإسباني الذي كان يعد العدة لإقامة كيان قزمي جديد في المنطقة، خدمة لمصالحه الاستراتيجية، وفي غير صالح الشعب المغربي وشعوب المنطقة بأسرها. وقد تكفلت الجزائر الشقيقة بالجبهة الانفصالية، بعد ذلك، لانها رأت في هذا المشروع الانفصالي ضالتها في سعيها الى تحقيق أهدافها الهيمنية في المنطقة على حساب حقوق المغرب الوطنية غير القابلة للتصرف في أقاليمه الجنوبية، على أقل تقدير ومحاولة ابعاده عن عمقه الأفريقي.
نشوء جبهة البوليساريو، في هذه الظروف الاستثنائية، فرض عليها التحرك على ارضية مأزومة، خلال عمرها الطويل، والذي كان السبب في استنزاف قواها، وتفكك عرى الروابط بين بعض قياداتها وقواعدها، وخاصة بعد معاينة الجميع لممارساتها الهمجية في مخيمات تندوف، التي تحولت الى سجون رهيبة للصحراويين المغاربة الذين تتم المتاجرة بمعاناتهم في مختلف المحافل الدولية ضمن خطة محكمة أحبكت خيوطها المخابرات العسكرية الجزائرية، كما كشفت مؤخراً تقارير الاتحاد الاوروبي حول تضخيم أعداد اللاجئين والاستيلاء على المعونات الدولية المفترض فيها ان تصل الى المخيمات. ولعل ما زاد طين هذه الأزمة بلة ادراك العديد من الأطر المتوسطة والعليا للطريق المسدود الذي انخرطت فيه القيادة الانفصالية التي لم يعد لديها حول ولا قوة، الا ما تمده به الجزائر، وهو مشروط بالخضوع التام للاجندة السياسية الجزائرية، في كل وقت وحين. ولعل هذا ما دفع سكان مخيمات تندوف الى تكرار محاولات العودة الى الوطن رغم الرقابة الجزائرية القاتلة لتحركات الصحراويين وخاصة منهم من يشتبه في كونهم يتحينون الفرصة لتلبية نداء المغرب في: ان الوطن غفور رحيم، من خلال العودة الى ارض الوطن، في اي وقت من الأوقات، إيمانا من المغرب ان كل من غرر بهم، او فرضت عليهم الهجرة، في ظروف تنظيم المسيرة الخضراء، لن يتخلفوا عن الاستجابة لنداء الوطن الذي يحفظ لهم كرامتهم، ويوفر لهم الأمن والأمان بين أهلهم وذويهم في مختلف مناطق الأقاليم الجنوبية والشمالية المغربية على حد سواء.
وعليه، يمكن تشخيص الازمة التي تتخبط فيها قيادة الجبهة الانفصالية بالإشارة الى بعض عناوينها التي لا تخطئها عين أي مراقب لوضع الجبهة في علاقتها بالجزائر أساسا ومنها:
اولا، التبعية التامة للجزائر من حيث استراتيجية التحرك السياسي، كما من حيث تفاصيل الممارسات على الأرض، وفي مختلف المحافل الدولية وهذا ما حدا بالكثيرين الى القول: ان القضية الصحراوية برمتها جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الاقليمية للدولة الجزائرية، حيث لا تملك البوليساريو اي هامش للحركة المستقلة، في أي مجال من المجالات. وبالتالي، فليس بمقدورها التفاوض خارج السقف الذي تحدده الجزائر رغم ان المجتمع الدولي عندما يتحدث عن الأطراف المعنية يقصد الجبهة الانفصالية، وهذا الواقع عاينه المغرب بوضوح في مختلف مراحل التفاوض غير المباشر بهدف إيجاد حل سياسية للنزاع المفتعل هو الصحراء المغربية. اي ان قيادة البوليساريو ممنوعة من اتخاذ اي موقف لم تبلوره الجزائر ذاتها لأنها مدينة لها بكل شيء، ولا تستطيع حتى التفكير في معاكسة إرادة مخابراتها العسكرية صاحبة اليد الطولى في تدبير شأن الجبهة الانفصالية في مختلف المجالات. وفي هذا السياق دعا الملك محمد السادس الى تسمية الأشياء كما هي واعتبار الجزائر هي الطرف المقابل والمناوئ لكل مساعي الحل السياسي.
ثانيا، ثبات ممارسة الجبهة الانفصالية ارهاب العصابات المسلحة في المخيمات، الأمر الذي يخلع عنها كل ادعاءات كونها حركة تحرر، بل ان هذه الممارسات تؤكد انها خليط من العصابات والمليشيات التي تمارس الارتزاق، وعلى استعداد دائم للانصياع لإرادة من يدفع أكثر. ولعل هذه العقلية الارتزاقية هي التي سهلت اختراقها من قبل الجماعات المتطرفة والإرهابية، الأمر الذي حول جبهة كانت تزعم انتماءها الى النظرية الماركسية اللينينية اليسارية الى حركة يمينية غارقة في يمينيتها، وتطرفها تمارس الإرهاب بمختلف أشكاله، ومستعدة للضرب وفق ما تحدده لها الجهات الممولة من أهداف تكتيكية او استراتيجية. وما ممارسة خطف الرهائن والابتزاز المالي الا التعبير عن بعض مظاهر هذا الواقع الدال على القيادات الانفصالية وازمتها الهيكلية التي ستعصف بها في نهاية المطاف.
ثالثا، اندلاع تظاهرات، هنا وهناك، في المخيمات، والتعامل معها بطريقة قمعية وهمجية الأمر الذي اثار استنكار عدد من المنظمات الحقوقية الدولية التي ما زالت تحافظ على نوع ما من الموضوعية في مقاربة الأوضاع التي يتم فيها خرق حقوق الانسان بشكل سافر.
رابعا، محاصرة الجبهة الانفصالية بمبادرة الحكم الذاتي الموسع التي طرحها المغرب استجابة لدعوة المجتمع الدولي للبحث عن حل سياسي توافقي للنزاع المفتعل حول الصحراء، ذلك ان رفض هذه المبادرة من قبل الجزائر، ومن قبل القيادة الانفصالية بالتبعية، رغم اعتبارها، دوليا، طرحا جديا ويتوفر على المصداقية الضرورية في كل مشروع تفاوضي، كشف القناع عن ان جوهر أزمة البوليساريو يكمن في تبعيتها المطلقة للاجندة الجزائرية التي لا ترغب، أصلا، في التوصل الى حل سياسي يكشف تهافت استراتيجيتها، وزيف كل الشعارات التي رفعتها حول بناء المغرب العربي، ومغرب الشعوب، وغيرها من الشعارات التي تم اللجوء اليها للتستر على أهدافها الحقيقية، في منع تقدم العمل المشترك لشعوب المنطقة في اي أفق تنموي، ما لم يندرج ذلك ضمن استراتيجية الهيمنة الجزائرية.
من هنا يمكن القول: ان أزمة الجبهة الانفصالية أزمة مركبة وهيكلية، ولا يمكن تجاوزها الا متى قطعت مع منطقها المؤسس. ومن شأن القطع معه ان يؤدي الى تفككها النهائي، بعد طول احتضار في أروقة مراكز قرار الاستخبارات العسكرية الجزائرية الخانقة لأنفاس محبوبتها الانفصالية.