الرئيسية / وجهات نظر / العراق وفلسفة الأقاليم.. بين السلبيات والايجابيات
أحمد المسعودي

العراق وفلسفة الأقاليم.. بين السلبيات والايجابيات

في ظل الأوضاع الراهنة التي يعيشها العراق، تطفو إلى السطح فكرة الأقاليم او المطالبة بالأقاليم، وبما في الأقاليم او ما عليها من عيوب او مميزات، لابد من استعراض أطروحات الأقاليم كطريقة مُثلى لحكم البلاد المتنوع عرقيا، والمتعدد طائفيا والمختلف ديموغرافيا، وبين هذه الاختلافات يطرح بعض الساسة العراقيين مشروع فدرلة العراق او بكلمة أدق أقلمة العراق، وآخرين يقفون ضد هذا المشروع معتبرين الأقلمة وجها آخر للتقسيم، وفريق ثالث منهم يرى ان الوقوف على الحياد هو أفضل سلوك سياسي لمعرفة ما سوف تؤول إليه الأمور وبعدها يتم تحديد الهوية السياسية.
يعتقد البعض ان الفدرلة او الأقلمة مشروعٌ أمريكي بامتياز بدلالة ان أول من طرح هذا المشروع ونظر له هو (جو بايدن) نائب الرئيس الامريكي، لكن الواقع والمؤشرات تدل على ان مشروع الفيدرالية او الأقاليم ان صح التعبير نوقشت محاوره أبان النظام البائد في أروقة اجتماعات المعارضة العراقية في الخارج، وعلى المستوى الفعلي كان الأكراد الممهدين الأوائل لنشوء فكرة الأقاليم في العراق خصوصا بعد الاتفاقية التي منحتهم الحكم الذاتي والمنعقدة بينهم وبين النظام البائد في بغداد عام 1989م -1990 م ثم تجددت في العام 1991م.
جاءت بعد ذلك حرب الخليج عام 1991م، وما تزال المعارضة ترى ان إقليم الوسط والجنوب خير حل للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، حتى جاءت سنة 2003 بما حملت من أحداث جسام وما رافق ذلك من إحداث قاسية لعبت دورا بارزا في التمهيدات النفسية والديموغرافية للأقلمة ونقصد بها عمليات القتل على الهوية إلى سنة 2007، ثم من العام 2007 م إلى 2014 حيث سقوط الموصل وإعلان داعش لحدود جديدة اجتزأت من العراق مساحات شاسعة، رافقتها حروب داخل البلد ربما يراها البعض، جزءا من الحرب الطائفية والعرقية والقومية الممهدة لمشروع الأقلمة.
الأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: من المسؤول عن تبلور فكرة الأقلمة؟، ولماذا تريثت الأحزاب السياسية المنبثقة من المعارضة وقاعدتها الجماهيرية من الوسط والجنوب عن تحريك او تبني هذا المشروع؟، والسؤال الثاني لماذا نلحظ الأحزاب القومية او العروبية في الغرب والشمال الغربي للعراق هي التي أخذت تطالب بمشروع الأقلمة او الفدرلة، ثم السؤال الثالث: هل العراق مهيأ لمشروع الأقلمة؟ وما هي سلبيات الأقاليم في العراق على المستوى الخارجي او الداخلي؟ وما هي ايجابيات ذلك المشروع الذي طالما أنقذ بلدان شتى من أطواق المستقبل المجهول كالولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة وغيرها من البلدان التي شهدت رقيا حال تنفيذ نظام الأقلمة او الفدرلة.
• من المسئول عن تبلور فكرة الأقاليم في العراق؟.
– في الواقع في الوقت الراهن تلعب أسباب عدة أهمها: الجهل السياسي وسياسة الظلم والاضطهاد الذي شهده العراق دورا كبيرا في تبلور فكرة العداء مع المركز او النظام المركزي المقيت، ولم يبقَ سياسي عراقي مسك بزمام الأمور في بغداد الا ومارس هذه السياسة المركزية التي رافقها استنزاف للمحافظات دون ان يشهد المواطن في المحافظات تغييرا ملحوظا على مستوى الخدمات والأجواء العامة في مدينته، ومثالنا في ذلك البصرة التي تمثل ينبوع الخيرات في العراق في الوقت الذي تعاني فيه معاناة خدمية ومعيشية مزرية.
– تأتي نظرية الشرق الأوسط في ظل صراع القوى في المنطقة، وما رافق ذلك من حرب طائفية اشتركت في إيقاد نيرانها بعض دول الجوار لانتزاع مناطق نفوذ لها داخل او خارج العراق بناءً على اعتبارات طائفية او قومية أو…
– ثم تأتي المشكلة الكردية التي تشترك بها أربع دول تتاخم حدودها العراق، وبالمقابل حلم الدولة المهابادية الكبرى التي ظهرت إفرازاتها على العراق بسبب ضعف بغداد قبيل وبعد أحداث عام 2003 م، وتماسك دول الجوار الثلاث إيران وتركيا وسوريا في بادئ الأمر مما اظهر سياسيين أكراد كان لهم دور كبير في بلورة فكرة الإقليم تمهيدا للاستقلال.
– الصراع السياسي في العراق والتناحر الشيعي – السني، او الشيعي الشيعي والسني السني إذ نلاحظ تريث القوى الشيعية التي كانت تطالب بالإقليم عن المطالبة، والعكس هو الصحيح وهذه القضية خلقت بشكل مباشر او غير مباشر أجواء للأقلمة وتبلور الأفكار حولها بدأت تظهر للمراقب بشكل جلي.
– يبدو لنا أيضا ان عدم القبول بحكم الأغلبية في العراق هو سبب مباشر او غير مباشر في تريث الأحزاب والقوى السياسية في الوسط والجنوب، لان عدم القبول به يعني العمل على إفشاله وكونه أصبح أمرا واقعا، وقد عملت القوى المضادة لحكم الأغلبية على إلصاق تهمة تمزيق البلاد بحكم الأغلبية، وبالطبع نقصد القوى الشيعية في الوسط والجنوب حتى يكتب التأريخ عملية التقسيم بأقلام شيعية وسلوكيات سياسية رافقت الحكم بالأغلبية.
– ان أحداث عام 2003 م وأحداث عام 2007 م وأحداث عام 2014 م أفرزت معارضة سياسية متزمتة تحاول تأجيج الطائفية وإظهار الاختلافات الديموغرافية بشكل أكبر لإحداث فروق مذهبية وتمييز مناطقي جيو- ديموغرافي سياسي مذهبي مصطدم مع العاصمة بغداد التي تتضح علامات الحكم بالأغلبية عليها مما أدى إلى ظهور الأزمات السياسية الخانقة في غرب البلاد والتي أدت في نهاية المطاف إلى اختراق داعش لهذه القوى المعارضة وضمها تحت لواءها فأصبحت تدور في فلك منطقة جغرافية محددة ومعلمة بعلامات وعناوين بارزة، وطبعا كانت لأحداث 2007 م وما رافقها من قتل على الهوية تعميق لفكرة الإقليم بسبب الأحداث الجسام التي رافقت هذا العام والأعوام التي تلته وصولا إلى عام 2013 م و 2014 م، كما أن الأجندات الخارجية تسعى من خلال العراق إلى جعله منطقة حل للمعضلات في المنطقة وعملية شطر العراق إلى أقاليم ربما يهدئ من حدة الاصطدام المباشرة إذا ما انطلقنا من التسمية الجيوبولتكية للعراق والتي تنطوي تحت مسمى (the clash zoom) او نقطة الارتطام، والقصد انه ربما يؤدي تفتيت هذه المنطقة إلى إنهاء الارتطام او الوصول إلى حلول تنظيمية له.
ولكن هل العراق مهيأ إلى مشروع الأقاليم؟
تشير الدلائل إلى عدم استعداد العقلية السياسية العراقية إلى تنفيذ فكرة الأقاليم، فالطفولة السياسية، وتدهور أوضاع بعض الحكومات المحلية العاجزة عن الاهتمام او إدارة او مراقبة المشاريع الخدمية فيها، فضلا عن التركيبة الديموغرافية ومنحنيات السلوك العدائي الذي رسخته السلوكيات الطائفية التي رافقت الأحداث في العراق تنبئ ببوادر التقسيم بمعناه الكارثي وليس الأقلمة او الفدرلة بمعناها الإصلاحي المتطور المنظم للأمور، وحتى على المستوى الإقليمي ربما ستلتهم إحدى الدول او بعضها إقليما او إقليمين مما يؤشر على التقسيم وليس الأقلمة، وربما التقسيم إلى أقاليم أصغر فأصغر مؤشر فوضى وليس تنظيم ومن أهم المؤشرات لهذا الاتجاه هو العداء السني – السني مثلا، او الصراعات بين الأحزاب السياسية للاستحواذ على مناطق نفوذ لها ممثلة بأقاليم او محافظات او ربما أقضية، والأكثر تأكيدا على هذا المنحى الفصائل الجهادية التي اشتد تأثيرها في الوقت الراهن وباتت تعتقد إنها صاحبة الفضل في إنقاذ البلاد من الموجة الداعشية الإرهابية وهذا الاعتقاد لا يمكن معه تحديد طموح الأحزاب التي ترعى هذه الفصائل وتحركها، الأمر الذي ربما يقود إلى الفوضى بكل أشكالها.
وإذا ما انتقلنا إلى ايجابيات الأقاليم فمن المؤكد ان تهيئة العقلية السياسية العراقية، وتغيير ثقافة المواطن العراقي باتجاهها، ومراعاة فلسفة الأقاليم على ان لا تخرج من حدود الأقلمة إلى التقسيم، حتما ستؤدي إلى إخراج العراق من دائرة التراجع باتجاه التطور والأعمار والرقي، لأنه سيحدد المناطق تحديدا دقيقا، وستسعى الحكومات المحلية إذا أثبتت جهوزيتها إلى النهوض بواقع المحافظات والاهم سيتم تحجيم السلطة المركزية التي طالما كانت سببا في تعثر اي محاولة للإعمار، وربما من أهم ايجابيات الأقاليم التي نتأملها هو سعي الحكومات الفيدرالية او حكومات الأقاليم إلى الاعتداد بنفسها وشعورها بأهمية المنطقة المؤقلمة استراتيجيا واقتصاديا الأمر الذي سيدفع بها إلى الاكتشاف والاهتمام بمقدرات المنطقة الأمر الذي سوف ينعكس إيجابا على المواطن، ستعمل الأقاليم على تخفيف حدة التوترات داخل العراق تمهيدا للتعايش السلمي، وربما سيخلق تعدد الأقاليم في العراق إلى إحداث توازن بين الأقاليم وهذا التوازن سوف يحول دون تطرف مطالبة إقليم على حساب إقليم او على حساب الأقاليم البقية، وبالتالي ستحدث عملية توازن تحفظ للعراق استقراره وتساهم بشكل كبير في تسريع عملية الاعمار، وحتما ستنعكس هذه الأمور على حياة المواطن العراقي أينما كان.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية