الرئيسية / وجهات نظر / الحرب ضد داعش… هل تخدم الأنظمة العربية؟
HAMI DINE

الحرب ضد داعش… هل تخدم الأنظمة العربية؟

لازالت الكثير من الأسئلة المشروعة تطرح حول تنظيم «داعش» وحول حقيقة القدرات العسكرية التي يتوفر عليها، وحول الشروط الميدانية التي تسمح له بالتمدد فوق الأراضي العراقية والسورية، وحول مدى جدية أطروحة «العجز» الدولي أمام تنظيم قائم على استراتيجية العنف ولا يمتلك مقومات الإقناع بمشروعه السياسي..
هناك بعض القراءات التي باتت تعتبر بأن هذا التنظيم هو صناعة محضة لقوى دولية وأخرى إقليمية التقت مصلحتها على تدمير مقدرات المنطقة ودفعها نحو المزيد من التقاطب الطائفي والاحتراب الداخلي..هذه التحليلات أصبحت مسنودة ببعض المعلومات وبعض الوقائع من قبيل التصريح الذي تناقلته بعض وسائل الإعلام عن السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق والذي يكشف فيه على أنه سبق له أن اتصل بنوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق، ونبهه إلى أن نحو خمسمئة مسلح من داعش عبروا من سوريا إلى العراق، وقال له: إن قواتنا، أي قوات البشمركة، جاهزة وقادرة على سحقهم إذا وافقتم على ذلك، فأجابه المالكي: الزم شؤون إقليمك ودع هؤلاء عنك.
كما تناقلت بعض المصادر الموثوقة أن السفير الأمريكي في العراق ـ وأثناء المفاوضات التي سبقت اختيار رئيس الوزراء ـ لما رأى تعنت نوري المالكي وتمسكه بمنصبه بدعم من إيران، واعتراضه على تولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء، قال له: إذا لم تقبل بالتنحي وتولي العبادي، فإن داعش ستدخل إلى بغداد في غضون 24ساعة، بعدها رضخ المالكي وأعلن قبوله بالأمر الواقع.
هذه التصريحات لا تحتمل سوى معنى واحد، وهو أن العامل الأكثر تأثيرا في ضمان استمرارية التنظيم هو العامل المتعلق بهذه القوى الدولية والإقليمية..
ومن المؤكد أن عمليات التوظيف المباشر لعشرات الشباب الذين يرحلون من البلدان العربية والأوروبية ويلتحقون بصفوف القتال إلى جانب «داعش» بنية الجهاد في سبيل الله، من الواضح أن عمليات التوظيف هاته تتم تحت أعين العديد من أجهزة المخابرات الدولية والإقليمية، وهناك تواطؤ مكشوف على غض الطرف عنهم لاعتبارات استراتيجية تخدم أجندة المستفيدين من الحرب وعلى رأسهم تجار السلاح..
ولاحاجة إلى التذكير بالدور الذي قامت به إيران باعتبارها ممرا آمنا لمعظم قيادات القاعدة الهاربة من أفغانستان نحو العراق بعد الضربة الأمريكية لأفغانستان ولبعض مواقع القاعدة في باكستان، بالموازاة مع دعم عمليات التغيير الديمغرافي الطائفي في العراق، وتشجيع الميليشيات الشيعية المدعومة من حكومة بغداد، على تهجير السنة من المناطق المهمة جيوسياسياً، كالعاصمة بغداد، ومحافظة ديالى المتاخمة لحدودها..
كما أن النظام السوري، بعد بدء الثورة، قام بالإفراج عن مئات المعتقلين الجهاديين في سجن صيدنايا، ولم يدخل في معارك واسعة مع تنظيم الدولة الإسلامية، وتجنب قصف مواقعه، عدا استثناءات محدودة، بل وسعى، أحياناً، لترجيح كفّته عبر ضرب الفصائل الثورية، في أثناء اشتداد معاركها مع تنظيم داعش، بالمقابل فإن مقاتلي داعش تجنوا مواجهة الجيش السوري وقاموا بالاستيلاء على مواقع الثوار والتنظيمات الجهادية..!
إن صيغة التحالف الدولي لمحاربة داعش، هي صيغة «سينمائية» تسمح بتمديد أمد الحرب على تنظيم صغير يجري مده بأسباب الحياة من طرف القوى المتنفذة في المنطقة بغية خدمة أغراض استراتيجية تضمن لهم تفكيك المفكك وتجزيء المجزأ، والمزيد من تعميق الصراعات بين العرب والمسلمين على قاعدة الشحن المذهبي والطائفي.
كما لم يعد خافيا على أحد، حجم الخدمة التي تقدمها داعش للنظام السوري الذي بات يقدم نفسه في صورة الدولة المستهدفة من طرف قوى التطرف والإرهاب، ولم يعد النظام محشورا في زاوية المطالب المتعلقة بالحرية والكرامة والديموقراطية.. وقد نجح إلى حد بعيد في توظيف»داعش» للقضاء على الثورة، وذلك بحرصه على بث القلق لدى جميع الدول من أن البديل الوحيد للنظام السوري، في حال سقوطه سيكون هو تنظيم داعش.
إن قرار الحرب على «داعش» بالصيغة التي تتم بها، هو قرار أمريكي ـ غربي من جهة، وقرار إيراني ـ سوري من جهة أخرى، أما الأنظمة العربية فهي تقدم جنودها وقودا لحرب تحقق الأهداف الاستراتيجية لكلا الفريقين ولا فائدة عملية ترجى من وراء انخراطها في حرب محددة الأهداف من طرف جهات أخرى..
هل يمكن أن نصدق بالفعل أن الجيوش العراقية والأردنية والتركية كانت بحاجة إلى تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية للقضاء على «تنظيم داعش»؟
هل يمكن أن نصدق بأن دول مجلس التعاون الخليجي التي تربطها اتفاقية دفاع مشترك، وقفت عاجزة على التصدي للـ «زحف الداعشي»؟ وأنها كانت مضطرة لخوض الحرب على داعش تحت المظلة الغربية والأمريكية..
إن الكثير من مظاهر الفشل وراء هذه الحرب راجع إلى التبعية الواضحة للأنظمة العربية للقوى الغربية في حرب لا يتحكمون في توقيتها وفي مداها وفي نوعية الأسلحة المستخدمة فيها..
لست من هواة نظرية المؤامرة ولكن التحليل الملموس للواقع الملموس يقول بأن هذه الحرب ليست حرب الأنظمة العربية ولكنها حرب تستهدف الأنظمة والشعوب العربية وتستهدف المزيد من تمزيق أوصال المنطقة..

٭ كاتب من المغرب/”القدس العربي”