الرئيسية / وجهات نظر / أبعاد الصراع في ليبيا
أحمد قريرة

أبعاد الصراع في ليبيا

تقترب الذكرى الرابعة لثورة 17 فبراير 2011، الثورة التي علق عليها الليبيون كل الآمال في بناء دولة مؤسسات، ودولة الحق والقانون، لكن الواقع اليوم للأسف بصدد الحديث عن الدخول في مرحلة تشبه في أعراضها كثيرا ما تعرض له الصومال، بحيث كل العوامل الحالية تساعد على التمزق والاحتراب حد التحلل والاندثار، خاصة أننا وصلنا لمرحلة أصبحت فيها الدولة الليبية تملك برلمانين وحكومتين، بالإضافة لمغادرة معظم السفارات الأجنبية البلد لتمارس عملها من الدول المجاورة، ناهيك عن توقف الطائرات الليبية عن الطيران، وحتى النفط مصدر رزق الليبين الوحيد توقف عن الإنتاج والتصدير مؤخرا، لما يتعرض له من معارك وتفجيرات، مما أصاب معظم بقايا أجهزة الدولة بالشلل، وأصبحت ليبيا اليوم على مشارف الإفلاس والانهيار، فما هي انعكاسات كل ما يحدث في الساحة الليبية على الاقتصاد الليبي، خاصة في ظل توقف تصدير النفط؟ وما هي الحلول التي يمكن أن تخرج ليبيا من عنق الزجاجة؟
في الواقع، وقبل الجزم بأي حقيقة يجب عمل حوصلة للخروج بأسباب الصراع والنزاع الحاصل، كما أنه من المهم جدا معرفة كل الأطياف الموجودة على الأرض، من دون إقصاء لأحد، خاصة أن الإعلام يحصر الصراع غالبا ما بين ليبراليين وإرهابيين، أو بين الثورة والثورة المضادة، أو بين الجيش الوطني والميليشيات تارة، وبين الإسلاميين والعلمانيين تارة أخرى.
صحيح أن كل هذه الصراعات موجودة لكنها لا تمثل في الحقيقة كل عناصر المشهد الليبي، وبالتالي لا تستحق أن تكون عنوانا له.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الصراع الحاصل في ليبيا اليوم يدور على أربع جبهات كاملة، وليس بين جبهتين فقط، فحسب خبير الشؤون الليبية في مركز الدراسات الإستراتيجية في «الأهرام» فإن الصراع الليبي يدور بين جبهة الشرق بقيادة الجيش الوطني، الذي يتبع رئاسة الأركان والذي يستمد شرعيته من البرلمان المنتخب شرعيا والمعترف به دوليا، وجبهة الغرب في طرابلس التي توجد بها كل من مليشيات مدينة مصراتة، بالإضافة الى جميع فئات الإسلاميين المعتدلين والمتشددين، أما الجبهة الثالثة فتعرف بجبهة درنة، التي تتكون من جماعة أنصار الشريعة وأنصار تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب مجلس شورى شباب الإسلام، فيما تتمثل الجبهة الرابعة في الجنوب الليبي المتداخل مع الدول الأفريقية المجاورة والمتكون من الطوارق وبعض الأمازيغ والعرب وبعض القبائل الأخرى.
وبناء على ما سبق، فإن الصراع اليوم في ليبيا يتمحور حول الجبهات الأربع السابقة الذكر، وهو الصراع الذي تحول إلى اقتتال حقيقي على الأرض، وبالضبط في مدينة بنغازي، غير أن الأزمة تكمن في كون ألا أحد من هذه الأطراف استطاع أن يلغي الآخر، بالنظر لضعف إمكانيات كل طرف، والدور الذي تلعبه بعض القوى الخارجية في إبقاء الصراع متواصلا لحاجة في نفس يعقوب، حاجة لا تخرج من دائرة تحقيق مزيد من مصالح الغرب وإضعاف المنطقة أكثر.
ولقد مست هذه الصراعات الخط الأحمر المتمثل في النفط، مصدر رزق الليبيين مما أدى إلى توقيف التصدير والإنتاج، وبالتالي سيزيد من تأزيم الوضع المتأزم أصلا، مما سيكرس مزيدا من الانهيار الاقتصادي، وبالتالي مزيدا من البطالة والفقر، ومزيدا من التدهور الصحي والتعليمي والخدماتي، ما من شأنه أن يؤدي إلى اندثار الدولة الليبية ودخولها في نفق مظلم، وهو ما عبرنا عنه في البداية بالصوملة، وهو أمر خطير يجب أن يدركه كل الليبيين إن أرادوا حماية ما تبقى من ليبيا وبناء الدولة التي كانوا يحلمون بها قبل وأثناء الثورة على نظام القذافي.
في الأخير يمكن القول إن ما يحدث في ليبيا من صراعات بين الجبهات الأربع هو صراع على السلطة تحول إلى حرب شبه أهلية تعيشها ليبيا اليوم، بعد زوال القذافي الذي لم يترك مؤسسات ولا نظاما، مما جعل ليبيا تدخل نفقا مظلما متصارعا بين قبائل عصبية متشددة جعلهم يفجرون مصدر رزقهم الوحيد، وهو ما سينعكس سلبا على الاقتصاد الليبي، والبلد ككل من دون شك، مما يجعل الكثير متخوفا من مستقبل ليبيا الذي قد يتحول إلى صوملة أخرى في أفريقيا، وإن كانت هناك بعض البوادر التي تدعو إلى الصلح ووقف إطلاق النار، ودعوات أخرى للمصالحة والحوار، وهو ما يجب أن يروح إليه الفرقاء الليبيون من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، باعتبار أن ليبيا بلد يتسع للجميع، وهو ما ثار من أجله الليبيون.

*كاتب ليبي/”القدس العربي”