الرئيسية / وجهات نظر / لماذا تتبرأ «النهضة» التونسية من «الإخوان»؟!
AMAL MOUSSA

لماذا تتبرأ «النهضة» التونسية من «الإخوان»؟!

جاء في سياق حديث أحد الوجوه البارزة في حركة النهضة التونسية مؤخرا، ما مفاده أن حركة النهضة ليست الإخوان المسلمين.
وأثارت هذه الإشارة المهمة جدلا، سرعان ما انطفأ بحكم كثرة الأحداث والانشغال بتشكيل حكومة جديدة وما تزامن معها من أخذ ورد وشد وجذب ونقاشات وضغوطات ظاهرة ومسكوت عنها.
وبالنسبة إلى الذين تفاعلوا نقدا وتشكيكا مع القائل إن حركة النهضة ليست الإخوان المسلمين، فقد بدت لهم هذه الإشارة نوعا من التمويه وإعلان تبرئة من شبهة الانتماء إلى الإخوان المسلمين، خصوصا أن المشككين، ينتمون إلى النخبة الحداثية ذات التوجهات الحداثية العلمانية، الرافضة لمشروع الإسلام السياسي.
إن السؤال الذي يستحق التفكير الموضوعي حسب اعتقادنا، يتمثل في: هل حركة النهضة التونسية هي فعلا ليست الإخوان المسلمين؟ وما المقصود بمعنى النفي المشار إليه؟ هل نفهم منه أن حركة النهضة قد تجاوزت وانقلبت على منهاج فهم الإخوان المسلمين للدين وللتغيير الاجتماعي أم أن المقصود هو انعدام العلاقة من أصلها؟
طبعا الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتم بالانصياع وراء الانتماء الآيديولوجي المضاد، بل بقراءة تاريخ حركة النهضة التونسية واستقراء المعطيات في تاريخها وحاضرها وعلى امتداد المسار.
ولعله من المهم الملاحظة، أنه طيلة تاريخ حركة «النهضة»، ظل موضوع الانتماء إلى الإخوان من المواضيع السرية والغامضة.
ولكن رغم هذا الغموض، فإن المعطيات الدقيقة التاريخية لحركة النهضة تفيد بالعلاقة التاريخية بين «النهضة» وتنظيم الإخوان. وهي علاقة، انطلقت منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي حيث تم الانتماء رسميا إلى التنظيم. مع العلم أن حركة «النهضة»، كانت تسمى في بداياتها «الجماعة الإسلامية» وقد ظهرت عام 1973 ثم تغيرت تسميتها لتصبح حركة «الاتجاه الإسلامي».
والمطلع على أدبيات الحركة في الستينات والسبعينات والثمانينات وتحديدا تاريخ نهاية الحكم البورقيبي، يدرك عمق تأثر فكر الجماعة الإسلامية في تونس بكتابات حسن البنا وبرتوكول فهم الإسلام عند «الإخوان».
لذلك، فإن المعطيات التاريخية وأدبيات الحركة، تؤكد مسألتين اثنتين، الأولى الانتماء كحركة إسلامية سياسية إلى تنظيم الإخوان. والثانية، تأثر فكر «النهضة» بالمرجعية الإخوانية ومنهاج فهمها وتصورها للمجتمع والعلاقة بين الدولة والدين وغير ذلك.
غير أن ما يستحق التدقيق الموضوعي هو أن دخول حركة النهضة بعد تاريخ الثورة التونسية إلى الحكم وذلك على إثر فوزها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي عام 2011، جعلها مجبرة على التضحية بهويتها الإخوانية وهو الفعل – أي التضحية – الذي كان وراء ظهور انقسام داخل الحركة، حيث أصبح الحديث يدور حول صقور «النهضة» وحمائمها.
وبوصولنا إلى هذه النقطة بالذات، يمكننا أن نفهم أكثر المقصود بالقول إن «النهضة» ليست الإخوان المسلمين. أي أن الرسالة المراد تمريرها أنهم عرفوا حراكا نوعيا على مستوى القرارات والمواقف.
ويبدو أنه رغم كل «تنازلات» حركة النهضة خاصة الدستورية منها، لأنها ضد جوهر فكر «النهضة» ويضرب عرض الحائط بمرجعياتها، فإن الانتماء إلى تنظيم الإخوان ظل بمثابة التهمة التي لا تفارقها ولا تستطيع التخلص منها: لقد صادقت كتلة حركة النهضة السابقة في المجلس الوطني التأسيسي على صياغة «تونس دولة دينها الإسلام» رغم أنها في السبعينات، كانت ضد هذه الصياغة وكانت تعتبر أنه لا بد من إقرار الدستور بأن تونس «دولة إسلامية» لا فقط دولة «دينها الإسلام».
كما أنها كانت ضد مجلة الأحوال الشخصية ووصفتها بالعلمانية. وها هي أصبحت في مقدمة الأحزاب دفاعا عن حقوق المرأة. وهنا لا بد من التذكير على أن كتلة حركة النهضة في المجلس الوطني التأسيسي، صادقت بقوة على مسألة المساواة بين الجنسين. دون أن ننسى مصادقتها على مسألتي حرية الضمير والحرية الدينية.
ويبدو أن حركة النهضة، أقدمت على كل هذه الخطوات من أجل لا فقط ضمان مشاركتها السياسية، بل أيضا كي تدفع عنها شبهة الانتماء إلى التنظيمات السلفية رغم أن خطابها لا يتناول مسألة العلاقة مع تنظيم الإخوان.
السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المستوى من التحليل، هو كيف نفسر استمرار تصنيف النخب الحداثية في تونس لحركة النهضة حركة إخوانية رغم كل ما قامت به من تنازلات موثقة دستوريا؟
في الحقيقة هناك علاقة شك دائمة ومتجذرة في تونس ضد الإسلام السياسي وتفرعاته. ولا نبالغ إذا قلنا إن الأغلبية أراحت رأسها من التفكير وتمسكت بفكرة أن الإسلام السياسي واحد وإن اختلفت التسميات. ولعل ما زاد في تقوية هذه الفكرة، ما كشفت عنه تصريحات بعض قيادات «النهضة» من انفصام داخل الحركة، إضافة إلى زلات لسان بعض القيادات وأشهرها زلة لسان السيد حمادي الجبالي رئيس الحكومة الأسبق عندما تحدث عن «الخلافة السادسة».
هكذا نفهم لماذا ستلاحق هذه التهمة حركة النهضة، ولماذا أيضا الثقة مفقودة وغائبة بين «النهضويين» والنخب الأخرى. أي أننا أمام أزمة ثقة، وحده المستقبل يفجرها أو يبخرها.

* كاتبة وشاعرة تونسية/”الشرق الأوسط”