الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا والمجهول
حمدي-السعيد5

ليبيا والمجهول

تزداد الأوضاع في ليبيا تأزماً، يوماً بعد يوم، وتزيد معاناة المواطنين الذين لم تعد لديهم ثقة في أي من الأطراف المتنازعة هناك. فهم يرون أن ما يحدث لا يعدو كونه صراعاً على السلطة بين كل تلك الأطراف، وهم، في ذلك الظن معذورون بعض الشيء، لكنهم، بالطبع، غير محقين، فليس الكل هناك سواء، فهناك المخلصون الذين لا يعملون إلا من أجل الحق والحرية والكرامة، وهناك من هو مدفوع من خارج ليبيا لإحباط تلك الأمنيات في الحرية، وباتوا معروفين للجميع.
ولكن الحملات الإعلامية الشرسة والموجهة لتشويه الثوار، وفى القلب منهم، الفصائل الإسلامية التي هي حاضرة بقوة في المشهد جعلت المواطن الليبي في حيرة من أمره، لكنها لم تنجح، أيضاً، في تحسين صورة الانقلابيين، على الرغم من أن ذلك هدفها الأول.
وأعداء الثورات المعروفون في العالم العربي يدعمون هؤلاء الانقلابيين بكل الطرق والوسائل، للقضاء على الثورة الليبية، وفى القلب منها بلا شك القوى الإسلامية التي كادت أن تصل إلى السلطة في ليبيا. إنه مخطط أصبح معروفاً من كثرة تكراره في بلدان الربيع العربي.
ولكن، يتعجب المرء من غباء هؤلاء، لأنهم يتبعون الاستراتيجية نفسها التي اتبعوها من قبل في بلدان أخرى، على الرغم من أن الظروف في ليبيا مختلفة. فهم يدعمون جنرالاً من أجل الوصول الى السلطة، والإجهاز على الثورة، والقضاء على تلك القوى الإسلامية الصاعدة، لكنهم لم يدركوا أن تلك القوى مسلحة، نظراً لأن ثورتهم، في الأساس، كانت مسلحة، ولم تكن سلمية. وهذا بالطبع ما دفعوا إليه، رغماً عنهم من الطاغية الراحل معمر القذافي. فكانت النتيجة أنهم أدخلوا ليبيا في صراع دموي، لا يمكن أن ينتهي، مهما طال، بالقضاء على هؤلاء الثوار، لأنهم أصحاب عقيدة وقضية. لكنها، مع الأسف، تظل هي العقلية التي لا توصف إلا بالمتخلفة، والتي تتحكم في مصير المنطقة العربية بأموال النفط، وتنفق، في سبيل ذلك المليارات، خشية نجاح تلك الثورات، ووصولها إلى عروشهم، فتباً لهم ولعروشهم. فهم إما أنهم يظنون أن ذلك الانقلابي سيقضي على الثوار، ويستقر له الأمر، أو أنهم يدركون أنه لم يستطع، فقرروا هدم ليبيا، من أجل القضاء على الثورة هناك.
ولكن، من المؤسف أنه لا يدفع ثمن تلك الصراعات إلا الشعوب التي لا حول لها ولا قوة، وسط هذا المناخ المليئ بالمخططات والمؤامرات الدنيئة.

*كاتب صحفي/”العربي الجديد”