الرئيسية / وجهات نظر / كيف التعامل مع الإساءة للمعتقدات الإسلامية؟!
soubhi29

كيف التعامل مع الإساءة للمعتقدات الإسلامية؟!

من حقّ المسلمين أينما كانوا أن يعترضوا وأن يرفضوا وأن يستنكروا الرسوم الكاريكاتوريّة التي تنال من شخص النبي محمد (صلوات الله وسلامه عليه)، في صحف أوروربية كانت مجهولة عالمياً قبل ردود الفعل على أعمالها المسيئة لمعتقدات دينية.
وصحيح أنَّ هذه الرسوم هي إساءة كبيرة لا يجوز تجاهلها، فالمسلمون يرفضون الإساءة لأنبياء الله كافّة ولا يسمحون بتشخيصهم (وإن جاء التشخيص بأبهى صورة) فكيف إذا طال الاستهزاء خاتم النبيّين، من وصفه القرآن الكريم بأنّه “على خُلُقٍ عظيم” ومن أرسله الله تعالى “رحمةً للعالمين”..
إلاّ أن هذه الرسوم رغم خطورتها، أولى أن تُدرك الأسباب وراءها، بالعقل لا بالعاطفة، وألا نحقّق لمفتعليها ردّة الفعل العشوائية التي تخدم مراميهم، وألا نسمح لهم التعامل معنا كشعوب يسهل جرّها بالعاطفة وحدها إلى ما لا يحمد عقباه في بلداننا، وحيثما يتواجد العرب والمسلمون في بقاع العالم. فالإسلام دعوة لأمّة الوسط والاعتدال، أمّة العقل التي أراد الله للإنسانية بوجودها أن تبلغ قمّة رشدها.
إنّ التصرف العقلاني يستوجب من مسلمي الدول التي تنشر هذه الرسومات أن يقاضوا الصحف المسيئة قانونياً وألا يكتفوا بطلب الاعتذار، وبأن يرسلوا سلسلة من المقالات التي تردّ على مضمونها السياسي والذي يتمحور كلّه حول ربط الإسلام بالإرهاب، وبأن يتمّ التعامل مع القضيّة بالإطارين الإعلامي والقانوني داخل هذه الدول، اعتماداً على حقّ الردّ على إساءات طالت جالية إسلاميّة كبيرة. هذا على الأقل ما يفعله المسلمون في أميركا تجاه حالاتٍ من الإساءة والتشهير والتمييز في عدّة وسائل إعلاميّة أو على لسان شخصيّات أميركيّة فاعلة بالمجتمع الأميركي. فالرسوم الكاريكاتوريّة بصحيفة أوروبية هي “غيض من فيض” في تشويهٍ للإسلام حدث ويحدث في معظم بلدان العالم، خاصّة بعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001 .
ومن واجب الشخصيّات الإسلاميّة، الدينيّة والإعلاميّة، التي يعلو صوتها في وسائل الإعلام، أن تتوجّه إلى العرب والمسلمين بفضح غايات من هم وراء نشر هذه الرسوم الكاريكاتوريّة وغيرها من الإساءات للإسلام والمسلمين، وبأن تنبّه عامّة المسلمين إلى الفخّ المنصوب لهم لخدمة جملة أهداف تريد فرز عالم اليوم بين “شرق إسلامي” موصوف بالإرهاب و”غرب مسيحي” محكوم بالعلمانيّة والديمقراطيّة. غايات كتب عنها الكثير من مثقّفي بلدان العالم الإسلامي منذ نهاية الاتحاد السوفيتي وأفول عصر “الشرق الشيوعي” و”الغرب الرأسمالي”. غايات كانت تهدف آنذاك إلى بقاء أوروبا تحت المظلّة الأميركية رغم تصاعد موجة الاستقلالية الأوروبيّة، وحيث امتزجت هذه الغايات مع السعي الإسرائيليّ المحموم لجعل العرب والمسلمين هم العدو الجديد للغرب بحيث تبقى هناك ضرورة غربيّة للحفاظ على دعم إسرائيل ودورها في الشرق العربي والإسلامي.
أيضاً، أولى بالحكومات العربيّة والإسلاميّة وأصحاب المؤسّسات التجاريّة الكبرى على امتداد العالم الإسلامي أن يخصّصوا نسبة زهيدة جداً من أموالهم الطائلة لصالح عرض أفضل للإسلام والعروبة في دول الغرب، ولدعم المؤسسات العربية والإسلامية التي تقوم بذلك من خلال الدفاع العقلاني، فكرياً وثقافياً وإعلامياً، عن الصورة المشوّهة للعرب والمسلمين.
إذ ما هي الحكمة من تأجيج مشاعر العداء بين بلدان العالم الإسلامي وباقي العالم، وهل ردود الفعل الانفعالية توقف الإساءات أم تعمّقها وتزيدها وتنفع غايات أصحابها المعروفين والمجهولين؟
هناك إساءات كبرى لمبادئ الإسلام وقيمه تحصل على أرض المنطقة العربيّة وبلدان العالم الإسلامي وتستحقّ صرخة الغضب والفعل السليم للتعامل معها.. فلماذا لا تستيقظ الهمم العربيّة والإسلاميّة على قضايا واقعيّة على أرضهم وفيها الكثير من الإساءة لما جاء به القرآن الكريم والسيرة النبويّة الشريفة؟
ولِمَ لا يكون احتلال القدس والمسجد الأقصى أشدّ إيلاماً على المسلمين في العالم من رسوم مبتذلة في صحف نكراء؟
ولماذا أصبحت صرخة الغضب ضدّ صحف أوروبية، لا مرجعيّة دينيّة أو أخلاقيّة لها، منفذاً لطروحات طائفيّة ضدّ المسيحيين، ومخاطر انعكاس ذلك على وحدة المجتمعات العربيّة والإسلاميّة؟
وإلى أين يذهب المسلمون بحال الانفعال والغضب العشوائي الذي يسيطر على أفعالهم معظم الأحيان؟ من وضعٍ مأساوي في داخل بلدان العالم الإسلامي حيث يحارب بعضٌ من المسلمين بعضهم الآخر، ممزوجٍ بتدخل خارجي، إلى انفعالاتٍ لا تميّز بين عدوٍّ وصديق!.
أليس محزناً أنّ نسبة تصدير البضائع الإسرائيليّة لبعض أسواق الدول الإسلامية تزداد وبأن العلم الإسرائيلي يرتفع في عدة عواصم عربيّة وإسلاميّة بينما تحتل إسرائيل مقدّسات إسلاميّة؟!
أليس مؤسفاً أنَّ الإتحاد الأوروبي يدعم سنويّاً المؤسّسات الفلسطينيّة بمبلغ 600 مليون أي أضعاف دعم الدول العربيّة والإسلامية!
لقد كان الأوروبيّون يضغطون على واشنطن لإجراء تسوية عادلة للصراع العربي الإسرائيلي وتحديداً للمسألة الفلسطينيّة، وبادرت عدة مؤسسات برلمانية أوروبية للاعتراف بدولة فلسطين… فأين هي المصلحة العربيّة والإسلاميّة من توسيع ساحة الخصوم، وفي استعداء الأوروبيين عموماً، وفي تحميل شعوب ودول الاتحاد الأوروبي مسؤولية عملٍ قذر قامت به صحف أوروبية مجهولة؟!.
ولماذا يتكرّر خطأ ردود الأفعال الذي حدث عام 1989 بعد صدور الكتاب التافه ” أشعار شيطانيّة” لسلمان رشدي، حيث أعطت ردود الأفعال آنذاك دعاية كبيرة لكتاب سخيف رديء وجعلت من مؤلّفه البذيء المجهول بطلاً لحريّة الكلمة في دول أوروبا عموماً؟
هل هناك من مصلحة إسلاميّة في الترويج والدعاية لهذه الإساءات؟! وهل يجوز الردّ على هذه الإساءات بالقتل والعنف؟ أليس من الأفضل حصر التعامل مع هذه الظواهر المسيئة في أماكنها ومن خلال توظيف قوانين حرّية الرأي والكلمة، وبواسطة أبناء البلد أنفسهم من عرب ومسلمين وأصدقاء محلّيين؟!
ولماذا هذا التناقض المفتعل بين الإسلام وحريّة الكلمة والمعتقد؟ ألم يعاصر النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) من اتّهموه بالكذب والجنون!
القرآن الكريم يردّد لنا في أكثر من سورة ما افترى به الكفّار على الأنبياء عموماً من صفات وادّعاءات:
(وعجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحرٌ كذّاب) (سورة ص- الآية4).
( إنّهم كانوا إذا قيل لهم لا إلهَ إلا اللهُ يستكبرون. ويقولون أئنّا لتاركوا آلهتنا لشاعرٍ مجنون) (سورة الصافات- الآيتان 35 و36 ).
فكيف كانت سيرة الرسول الأعظم مع من ناقضه بل وافترى عليه بسوء الأوصاف؟ هل كانت بالقتل والعنف؟! ثمَّ ألا نتّعظ بالمنهج القرآني الّذي يستخدم المنطق – لا الدعوة للعنف – في الرّد على كل الافتراءات بحقّ الله سبحانه وتعالى وبحقّ الأنبياء والمرسلين؟
إنَّ القليل من الفعل السليم خيرٌ من انفعال كبير. وهذا ما تحتاجه الآن شعوب البلاد العربيّة والإسلاميّة في تعاملها ليس فقط مع ظاهرة الإساءات الإعلاميّة المغرضة في الغرب، بل أيضاً مع مشاكلها وأوضاعها الداخليّة المهدّدة بالفرز والتفكّك والانشطار الطائفي والمذهبي.
وإذا كان العرب والمسلمون لا يجدون فعلاً مصلحة في المقولة الأميركيّة/الإسرائيليّة التي ظهرت في مطلع التسعينات من القرن الماضي عن “صراع الحضارات” و”الخطر الإرهابي القادم من الشرق الإسلامي”، فإنَّ أبسط الأمور الآن هي عدم الوقوع في الكمائن المنصوبة لهم على أكثر من ساحة، ومن خلال أيدٍ عربيةٍ وإسلامية!.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن.