الرئيسية / وجهات نظر / خوان كارلوس.. الملك الحزين!!
BOUKHAZER

خوان كارلوس.. الملك الحزين!!

يتعرض ملك اسبانيا السابق،خوان كارلوس، منذ تنازله الطوعي عن العرش،الصيف الماضي، لعواصف إعلامية متتابعة، أعادته الى واجهة الأحداث، ليس كملك زاهد في الحكم، آثر مصلحة بلاده وولي عهده، بدل المرابطة في قصر، لا ثرثويلا، تنهشه الاقلام وتتداول اسمه ألسنة السوء عن حق او باطل، فتراجعت شعبيته كثيراً بل نزلت الى الحضيض.
وبمجرد ما ان شرع الملك المتنحي عن العرش، في ترتيب فصول حياته الجديدة وممارسة حريته الشخصية في التنقل والإقامة والاتصال بمن يشاء، حتى انهالت عليه قضايا وإشكالات مثيرة، ستنال قطعا من سمعته، ما لم ينجح في تبرئة نفسه وسيرته واحتواء ما يوجه اليه من اتهامات يصعب تحملها والسكوت عنها اخلاقيا وسياسيا.
أقسى ما يواجهه، خوان كارلوس، اتهامه بالضلوع في مقتل شقيقه، للتخلص منه كمنافس محتمل على عرش اسبانيا ؛ بحجة ان الديكتاتور، فرانكو، كان ميالا ليخلفه، دون خوان، في حكم اسبانيا بعد رحيله، بدل شقيقه المتوفى.
ويتأسس هذا الاتهام الصعب التصديق، على نسج مؤامرة مشتركة بين، فرانكو، والملك السابق، للتخلص من الوريث الآخر لعرش اسبانيا، في حادث غامض ودراماتيكي قضى فيه شقيق ملك اسبانيا، بينما كان الأخوان ينظفان او يلهوان بمسدس، انطلقت منه رصاصة طائشة فأصابت الشقيق في المقتل.
قليلون يعرفون تفاصيل الحادث المأساوي الذي جرى في منفى الأسرة المالكة بالبرتغال، والذي ترك اثره، حسب كثيرين، في نفسية خوان كارلوس، وقد يكون احد الأسباب الدفينة وراء زهده في السلطة المطلقة التي تركها له الجنرال الدموي، فرانكو.
اختار الملك عام 1975، ولم يكن مجبرا، على ذلك الإنصات لنبض الشعب الإسباني المتعطش للديموقراطية وهو الذي تحمل ويلات الحرب الأهلية وجثوم الديكتاتورية على صدره من 1939 الى 1975.
كان بإمكانه ان يماطل ويتنازل. تدريجيا، قطرة قطرة، عن صلاحيات السلطة المطلقة، ويناور، قدر الإمكان ومتى شاء، للتمتع بلذائذ السلطة. فهو مسنود بالقوات المسلحة وبانصار فرانكو، المحافظين الممسكين والمتحكمين بمفاصل الحكم، لكنه فعل العكس، مستوعبا التحولات العميقة الجارية في العالم في عقد السبعينيات من القرن الماضي. أطلق مسلسل الانتقال الديموقراطي ونجحت البلاد في التخلص سلميا، من إرث سياسي ثقيل، بفضل نضج الطبقة السياسية المعارضة للديكتاتورية، فاشتغلت المؤسسات الدستورية المحدثة على النمط الغربي.
ورغم حدة الانتقادات التي وجهت في السنوات الأخيرة الى، خوان كارلوس، جراء تصرفاته التي وصفها الإعلام الإسباني بالمتهورة، فان احدا لم يجرؤ،خلال حكمه المديد، على التذكير او التلميح بجرح قديم وملابسات وفاة شقيقه الماساوية، الى ان خرج اخيراً من يدعي انه ضابط سابق في الجيش، وبحوزته وثائق ودلائل تقطع بان، خوان كارلوس، نفذ جريمة قتل أخيه، بأمر وتخطيط من الجنرال، فرانكو ؛ هكذا توجه الضابط المتقاعد، الى القضاء الإسباني ورفع دعوى ضد الملك، طالبا فتح تحقيق في هذه النازلة المحزنة والتي لا يصدقها عقل وقد مضى عليها اكثر من نصف قرن فماذا سيقرر القضاء بشأنها؟.
المشكل الثاني وليس الأخير الذي يقض مضجع والد العاهل الإسباني الحالي، يشابه الاول من حيث لجوء محركته الى العدالة، ولكنه اصعب من الأول أخلاقيا. مجمل القصة ان سيدة بلجيكية تزعم انها ابنة الملك، من علاقة غرامية غير شرعية بين والدتها وخوان كارلوس وبالتالي فمن حقها الانتساب الى سلالة “أل بوربون” ولم لا، فقد تطالب بنصيبها من امتيازات ومجد الأسرة المالكة.
القصة هي الأخرى قديمة، تعود الى سنة 1966 لكن المثير فيها ان الملك، خان زوجته الملكة “دونيا صوفيا” التي كان مقترنا بها لحظة العلاقة المزعومة.
إذا لم يكن الملك السابق محاطا ومحميا بالحصانة، فانه، سيجد نفسه مجبرا على المثول امام المحققين، مع ملاحظة ان قبول الدعوى الثانية لإثبات البنوة، يمكن الفصل فيها بتحليل الحمض النووي.
لقد تخلى خوان كارلوس، عن عرش اسبانيا، تاركا وراءه مجموعة من التساؤلات الغامضة، بخصوص مسلكه العام كرئيس الدولة وكزوج مثالي ووفي، توترت علاقته بقرينته لدرجة ان طلاقهما اصبح وشيكا، وفي هذا العمر المتقدم، بالنسبة للزوجين.
يضاف الى هذا السجل المزعج للملك شكوك أخرى، بشأن تستره على المخالفات القانونية والمالية التي ارتكبتها كريمته الأميرة، كريستينا، وزوجها الغارق في الغش واستغلال المال العام، ما جرجر الزوجين امام المحاكم، فأصبحا طريدين مبعدين من المحيط الملكي.
كيف سيتصدى الملك السابق لهذه الزوابع؟ بأية نفسية سيتحمل عواقبها؟ هل ستتقوى علاقته بزوجته “دونيا صوفيا” لمواجهة العاصفة، ام سيختاران أبغض الحلال الى الله؟
لازم الحزن ملك اسبانيا السابق، منذ حادث وفاة أخيه، وطارده النحس في صحته، فدخل غرفة العمليات حوالي عشر مرات، وما زال يعاني من بعض الوعكات، يمشي مستندا على عكاز.
ترى، هل ذاق الملك طعم السعادة وهل أنسته لذة الحكم، فيما كان يؤلمه من أحزان وآلام دفينة؟
يخشى ان لا تكون القضايا المثارة، مجرد مقدمة للنهش في سيرة الملك السابق وتعريضه للسخرية امام رأي عام إسباني لا يرحم في زمن الشعبوية، ولا يقدر ما قام به، خوان كارلوس، من اجل بناء اسبانيا الحديثة.
الإحراج الكبير، سيلاحق لا محالة نجله الجالس على العرش الإسباني، بسلطة رمزية جد محدودة!!