الرئيسية / وجهات نظر / دور العشيرة في تشكيل الدولة العراقية الحديثة
قحطان حسين طاهر

دور العشيرة في تشكيل الدولة العراقية الحديثة

العشيرة هي مجموعة من الأفراد ينتمون إلى نسب واحد يرجع إلى جد أعلى، وتتكون من عدة بطون أو من عدة عوائل، وغالبًا ما يسكن أفراد العشيرة إقليما مشتركا يعدونه وطنا لهم، ويتحدثون بلهجة مميزة، ولهم ثقافة واحدة، والعشيرة هي المكون الرئيسي للقبيلة، فتحالف عدة عشائر تتكون القبيلة، وشرط العشيرة أن يتكون أفرادها من نسب واحد، بعكس القبيلة، فالقبيلة قد تتكون من عدة عشائر من أنساب واحدة أو من أنساب مختلفة الجد.
إن المجتمع العراقي يستند في الكثير من سلوكياته إلى قيم العشيرة وهذا ما دفع سلطات الاحتلال البريطاني إلى إصدار قانون (دعاوى العشائر) في سنة 1916م أي قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921م، وبهذا كانت الدولة العراقية تحكم بقانونين، هما قانون الدولة العام، وقانون “دعاوى العشائر” الذي أصدرته سلطات الاحتلال البريطاني عام 1916م، وظل سارياً طوال العهد الملكي، رديفاً للقانون العام، فكان للحاكم السياسي أو القاضي أن يحيل المتهم إلى مجلس عشائري يتألف من شيوخ للنظر في قضيته، فكانت الدولة العراقية هي الوحيدة التي تسير وفق قانونين.
وعلى الرغم من إلغاء قانون دعاوى العشائر بعد قيام ثورة 1958م، واعتماد زعماء الثورة برنامج تحديث المجتمع وفق مبادئ مدنية، إلا أن عملية التحديث هذه انقطعت وذلك بسبب تأثيرات موجات الهجرة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي من الريف إلى المدن الكبرى التي أدت إلى انتشار قيم الريف والعشيرة في المدن (متمثلة بالعصبية القبلية ونوازعها، ووجود الجماعات غير المتعلمة وما يرتبط بسلوكها ونشاطها الاقتصادي من قيم غير مدنية)، وبذلك فأن عملية التحضر في العراق تحولت من عملية تمدين الريف وتحضيره، إلى عملية ترييف المدينة، وفي سبعينيات القرن الماضي اتخذت الحكومة العراقية آنذاك قرارا يمنع المواطنين الإفصاح عن ألقابهم أو التداول بها في خطوة كان من المعتقد إنها ستساهم في انحسار تأثير الانتماء العشائري على ولاء المواطن العراقي.
لقد قادت الأوضاع التي نشأت بعد (الحرب العراقية – الإيرانية) وحرب تحرير الكويت في 1991م، وانتفاضة معظم المدن العراقية في آذار 1991م ضد نظام صدام، إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق مما دفعه إلى اللجوء إلى التنظيم العشائري لفرض سيطرته على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر وأشكال التنظيم العشائري، لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب، وعادت العشائر لتكسب قوتها ونفوذها من جديد ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها، فقامت بملء فراغ الدولة من خلال توفير الحماية لأفرادها وتولي مهمة القضاء القائم على الأعراف، وهكذا عادت العشائر لتنمو من جديد في عقد التسعينيات، بأعقاب استعانة النظام البعثي بسلطة شيخ العشيرة، بعد فقدان نظام صدام لهيبة السلطة وتذمر طبقات شعبية واسعة من حكمه، فشعرت السلطة البعثية بحاجتها إلى العشائر لتساندها في مهمة ضبط الأمن واستعانت بالقوى التاريخية المتمثلة بالعشيرة كقوة ضبط بدائية تعزز أداة الضبط الحديثة المتمثلة بسلطة الدولة، وبذلك ظهر ما يسمى “شيوخ التسعينات” وهي زعامات عشائرية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية ولكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها وربطهم بأجهزة السلطة من خلال تنظيمهم حزبيا وامنيا.
في سنة 2003 شكلت عملية إسقاط نظام حكم البعث في العراق ملامح جديدة في الساحة العراقية، فبعد انهيار الجيش العراقي وأجهزة الأمن الأخرى وحدوث حالة من الفوضى غير المسبوقة في تاريخ العراق، واجه المجتمع العراقي وأفراده صعوبة في الحصول على ما توفره له مؤسسات الدولة من متطلبات العيش الآمن، مما أجبر الفرد العراقي بالعودة إلى مرجعياته الاجتماعية وكانت العشيرة أبرز تلك المرجعيات، وذلك سعيا وراء الأمن والحماية التي توفرها العشيرة وفق تقاليدها المعروفة، كما نلاحظ إن أغلب التنظيمات السياسية التي مارست العمل السياسي بعد سقوط نظام صدام الدكتاتوري قد تأثرت بالقيم العشائرية بشكل واضح في طريقة إدارتها للدولة العراقية سواء في إدارتها لشؤون التنظيمات الداخلية أو طريقة حكم الدولة.
ونتيجة لتطبيق النظام الديمقراطي في العراق القائم على الانتخابات، سعى أغلب المرشحين إلى كسب ود عشيرته لضمان تصويت أفرادها لصالحهم، انطلاقا من النظر إلى العشيرة كقاعدة جماهيرية متماسكة مما يجعلها رقما كبيرا في المعادلات الانتخابية.
وفي ظل ضعف أجهزة الدولة الأمنية وعدم قدرتها على ضبط الأمن وتزايد العمليات الإرهابية لجأت الحكومة إلى العشائر للحصول على دعمها في ضبط الأمن من خلال تشكيل الصحوات ومجالس الإسناد العشائرية منذ سنة 2008 حتى وصل عدد مجالس الإسناد في سنة 2010 إلى 242 مجلسا تضم ما يقارب 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية، كما لجأت العديد من العشائر الى تنظيم مؤتمرات وتجمعات عشائرية ضخمة في محاولة لإعادة تنظيم أفرادها وإظهار حجم قوتها الاجتماعية والسياسية، وبتأييد ودعم من شخصيات سياسية رفيعة، مما دفع الكثير من الأفراد العاملين في مؤسسات الدولة إلى إضافة ألقابهم العشائرية إلى أسمائهم كدلالة واضحة على تنامي الشعور بالولاء للعشيرة لدى الفرد العراقي.
ومما سبق يمكن أن نؤشر الحقائق التالية:
1. إن العشائر العراقية ظلت تلعب دوراً موازياً لدور الدولة سواء في الريف أو المدينة، وذلك كلما ضعفت سلطة الدولة في الأزمات والتوترات السياسية، خصوصا إن الأزمات قد شكلت السمة الغالبة في مراحل الدولة العراقية.
2. إن العشيرة ما زالت تشكل وحدة اجتماعية قائمة وفاعلة لها شخصيتها المعنوية في المجتمع العراقي الريفي والمدني، وذلك بسبب عدم انتقال البلاد إلى مستوى من التحديث الصناعي يؤهلها إلى تجاوز التجمعات القبلية والعشائرية.
3. إن نفوذ العشائر الاجتماعي وثقلها السياسي، في مراحل تاريخية مختلفة، فرض على الدولة العراقية أن تتعامل مع هذا الواقع، وبطريقة تضمن توظيف العشيرة بشكل براغماتي، وذلك على الرغم من أن تعزيز دور العشيرة يضعف دولة المؤسسات.
4. إن لجوء الأفراد إلى العشيرة في أوقات الأزمات للحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم، ولجوء الدولة للعشيرة لتعزيز سلطتها على المجتمع، يعكس ضعفا واضحا في فرض سلطة القانون، وإذا ما كان تطبيق سلطة القانون يواجه عقبات كبيرة تفرض على الدولة التعاون مع العشائر في مرحلة ما، فمن الواجب اللجوء إلى كل ما يدعم تثبيت سلطة الدولة حتى تقف على قدميها.
5. إن الفكر السياسي يتحول إلى سلوك وممارسة سياسية يتبلور بداخلها شكل الحكم وطبيعة النظام السياسي في الدولة، وبما إن قيم العشيرة راسخة في سلوكيات الفرد العراقي، ولما كانت العشائر العراقية بمجملها لا تحمل في موروثها تجربة سياسية يمكن الاعتداد بها، نتيجة لأسباب ذات منشأ وجذور تاريخية، ولان العشائر تشكل النسبة الأعظم من مجموع الشعب العراقي، لذا كان انعكاس هذا الواقع يترك بصماته الواضحة ليس على المجتمع المدني فحسب بل على مشروع الدولة برمته، ذلك لأن العشائر لكثرتها ورسوخ تقاليدها هي التي أثرّت في المجتمع المدني الضعيف بدوره سياسياً والمتخلف اقتصاديا، ولم يحدث العكس كما هو مفترض، وهذا ما ترك بصماته على بنية الأحزاب والتنظيمات العراقية التي تبنت أفكار الحداثة والتطور وسيادة القانون إلا أنها لم تتمكن من تجاوز عقبة العرف العشائري.

* مركز المستقبل للدراسات والبحوث