الرئيسية / وجهات نظر / معالم تحول مفصلي في مفردات الدبلوماسية المغربية
0,,6283881_4,00

معالم تحول مفصلي في مفردات الدبلوماسية المغربية

سجلت الدبلوماسية المغربية خلال الأشهر القليلة الماضية ثلاثة مواقف متشابهة تنبئ عن معالم تحول في مفردات الدبلوماسية المغربية لجهة تبني مقاربة جديدة تقطع مع سياسة النفس الطويل في الصبر، أو ما يعرف في أعراف الدبلوماسية التقليدية بالحكمة والتبصر وتجنب ردود الفعل:
1- الموقف الأول تمثل في لغة الوضوح التي اعتمدها الخطاب الملكي مع الجزائر والتي تجاوزت لغة الإشارة إلى العبارة الدالة، وتجاوزت سقف الخطاب التعبوي للداخل إلى مباشرة نفس المفردات الواضحة مع المنظومة الأممية، إذ تم الإعلان بشكل واضح عن طبيعة الدور الجزائري، والتحالفات الخفية التي تتم من تحت الطاولة ويتورط فيها موظفون أمميون لإنجاز تقارير منحازة ضد المغرب ومصالحه الحيوية.
2- الموقف الثاني، مع فرنسا، وجاء على خلفية خرقها لكل الأعراف المرعية دبلوماسيا وإقدامها على التحرش الأمني والقضائي بمسؤولين أمنيين مغاربة نزلوا أرض فرنسا في سياق لقاء دولي يندرج في إطار التنسيق الإقليمي، إذ رد المغرب بقوة، وأوقف التعاون الأمني والقضائي مع فرنسا.
3- الموقف الثالث، ويتمثل في طبيعة الرد الذكي الذي تم اختياره من أجل إيقاف مسلسل التحرش والاستهداف المصري لكرامة الشعب المغربي ورموزه وسيادته الوطنية، والذي بدأ مع شهر يوليوز الماضي واستمر طيلة ستة أشهر، وأخذ أبعادأ إعلامية ودعائية وسياسية.
ما يجمع هذه الوقائع الثلاث أنها صبغت الموقف المغربي بلون جديد سمته الأساسية الانتصار للسيادة الوطنية، والقطع مع منطق النفس الطويل في الصبر، واتخاذ مواقف صارمة تضطر الدول التي تسيء إلى المغرب إلى الرجوع إلى جادة الصواب.
المؤشرات المتوفرة لحد الآن، تشير إلى أن المغرب كسب الرهان في المواقف الثلاثة، ففرنسا التي فقدت حليفا أساسيا في التعاون الأمني، كتب عليها أن تتلقى ضربة إرهابية قاسية أربكت الدولة، ومست هيبة الأجهزة الأمنية الفرنسية، ودفعت الاتحاد الأوربي برمته إلى إعادة النظر في استراتيجية مكافحة الإرهاب وإعطاء مساحة أكبر للدور العربي الشريك فيها، أي أن فرنسا، والاتحاد الأوربي، صارا على قناعة باستحالة نجاح أي استراتيجية دون دور فعال لدول جنوب المتوسط وفي مقدمتها المغرب الذي يمتلك خبرة أمنية ومعلوماتية نوعية في مكافحة الإرهاب.
وهذا يعني أن فرنسا التي تلقت الضربة الإرهابية القاسية كانت الخاسر الأكبر من إيقاف التعاون الأمني مع المغرب، وأنها ستصبح، اليوم أو غدا، مجبرة على مسايرة الشروط المغربية التي تعني أولا القرار السيادي في توجه المغرب نحو إفريقيا، وتعني ثانيا توفير الحماية القانونية والقضائية للمسؤولين الأمنيين المغاربة.
لا يهمنا هنا توقع طبيعة الموقف الفرنسي، وما إذا كان سيساير اليوم أو غدا الشروط المغربية، لكن ما يهمنا بدرجة أولى أن المغرب أعطى إشارتين متوازيتين: الأولى وهو تعبيره عن حسن نواياه لإعادة العلاقات المغربية الفرنسية إلى سياقها الطبيعي، والثاني، وهو استثماره للزمن السياسي للتعبير عن استمراره في اعتماد نفس السياسة اتجاه إفريقيا من خلال دعوة الرئيس الإيفواري لزيارة المغرب مع وفد هام وإبرام ما ينيف عن عشر اتفاقيات استراتيجية.
أما بخصوص الواقعة الثانية، فقد تلقت مصر الإشارة بسرعة، وفهمت أن خسارة المغرب يمكن أن تكون مكلفة جدا، وأن الأفضل أن تراجع موقفها، بشكل كامل، وهذا بالتحديد ما تم التعبير عنه في البيان المشترك الذي صدر بفاس والذي تضمن من جهة تثمينا للدور الريادي للملك محمد السادس في الدفاع عن القدس( رد الاعتبار للملك بعد حملات الإساءة التي استهدفته ودعوته من الرئيس عبد الفتاح السيسي لزيارة مصر) وإشادة بالشعب المغربي (رد الاعتبار لكرامة الشعب المغربي التي استهدفها الإعلام المصري) وثناء على المبادرة المغربية للحكم الذاتي (مراجعة الموقف لجهة دعم السيادة الوطنية على الصحراء).
أما الواقعة الثالثة، فتخص الجزائر، والتي لم تستطع أن تمضي بعيدا في مسار التصعيد، واختارت أساليب أخرى في مواجهة الخطاب الدبلوماسي المغربي، اعتمدت الأسلوب الاستخباراتي في التسريب الإعلامي لإضعاف الموقف المغربي وخلق فقاعات لزعزعة مصداقية العمل الدبلوماسي المغربي.
الخلاصة في المواقف الثلاثة، أن المغرب قام بتحول مفصلي في سياسته الدبلوماسية، وأن هذا التحول الذي أثمر إيجابيا مع المتغيرات التي حصلت، وأعطى مصداقية للموقف المغربي، وأعاد الدول التي أساءت إلى المغرب إلى جادة الصواب، أو جعلت موقفها ضعيفا في مقابل الموقف المغربي.

*كاتب مغربي/”التجديد”