الرئيسية / وجهات نظر / عالم من ورق!
697000

عالم من ورق!

عجيب أمر هذا الإنسان وكينونته في هذا الزمان، لم يعد يمتلك من زمام نفسه شيئا أكثر من كونه إنسانا على ورق، لا يعتد بلحمه وشحمه وعظمه ودمه إلا ما يكتب منه ويسجل،هل يدرك اليوم كل فرد منا أن دليل ولادته وتبث موته لا يقبلان إلا إذا سطرا على الورق، فسبحان من قال وهو عز من قائل: *ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* وما أدراك ما يسطرون؟ أهم حدثين في وجودك وحياتك، استصدار شهادة الميلاد على الورق واعتمادها بعد ولادتك، وبغيرها لن تكون! وشهادة الوفاة وتوثيقها كأهم ما يستخرج لك بعد وفاتك، وإلا ما زلت حيا لم ترحل وان طواك الثرى! فبدايتك ورقة ونهايتك ورقة، ولن تعني شيئا بغير ما يكتب ويسطر على الورق.

هب انك هبطت في أي مطار في العالم، أو رسوت بشاطئ أي ميناء بين الماء واليابسة، أو وجدت نفسك على منفذ حدودي وجد على صفحة الأرض، ولم يكن معك جواز سفر من الورق، من يعترف بك ويهتدي إليك أو يرحمك؟ ومن سيسمح لك بنوال ما تريد، ستبقى مجهولا مغيبا غير معترف بك ما لم يمنحك القرطاس والقلم ما يثبت هويتك ومن تكون، اسمك وعمرك وعملك وعلمك وبلدك، لا ثبت لها إليك إلا بالورق، وليس هناك من يقر لك بأي منها ما لم يكن ثبت ما تدعيه مكتوبا على الورق، ترى لو كان يعلم من ابتكر الكتابة ومن اخترع الورق ستكون ثبته في الحياة ودليله في الوجود ورأس ماله في الدنيا، ولا قيمة له من دونها أتراه يُسر بما ما ابتكر، ومن يرضى منا في الواقع أن يقال له لست بأكثر من ورقة وشحت بالسواد.
تنكر انك في مرات عدة كنت واقفا بلحمك وعظمك أمام رجل أمن مثلك يقول لك من أنت؟ ناولني بطاقتك السكانية، أتجرأ أن تقول له أنت لا تصدقني وتصدق البطاقة وهي ليست أكثر من ورقة؟ تجده ينظر في الصورة ويتفرس بك هل وسمك مطابق لصورتك في البطاقة وأيهما اصدق إليك؟ أتدري أنهم لا يصدقونك ويصدقون النسخة المستعارة، ومنها وعن طريقها يهتدون إليك، أصابعك التي هي جزء منك ليس لك ما لم تشهد على ذلك بصمتك، إنهم يثقون ببصمتك أكثر مما يثقون بجسمك ووسمك! هل فطنت إن ما تكسبه من عرق الجبين وتعب اليمن رزمة من ورق تسعى بها مسرعا إلى المصارف لتدخلها إلى الدهاليز ولا يشهد بها لك إلا رقم رقن على ورق وتسعد بذلك؟ هل تعلم انك تفني شبابك في طلب العلم تترقى من مرحلة إلى اخرى ومن مستوى إلى ثان وفي نهاية المطاف تحصل على ورقة تعتز بها تؤطرها وتعلقها على جدار صالة الاستقبال زهوا وفخرا، ولا يُعترف بك أستاذا أو طبيا أو مهندسا أو جديرا بما فيك ولك من العلم إلا من خلالها؟ أين منك إنسانيتك التي لا يهتدى إليها ولا توزن قيمها وتوفى حقها إلا من خلال الورق، بيتك تحفر أسسه شبرا شبرا، وتجمع حجارته صخرة صخرة، وتقيم جدرانه طوبة طوبة، ومهما عظم واتسع لا تأمن أن ينافسك عليه من يبتزه منك وينتزعه غصبا حتى يسجل لك ويوثق على صحيفة من ورق،
أيها الإنسان المعاصر كما تزعم، هل أنت عصري حقا؟ وهل عصريتك أعلت من قيمتك أم هبطت بها إلى مستوى الدرك حتى سلختها وهزلت، أين إنسانيتك التي تعتز بها وتميزت بها عن سائر المخلوقات كحي ناطق، أين كيانك موجودا مفكرا بالفعل والقوة، وأين هيبتك وكبرياؤك، وكيف أصبحت ورقة إذا عصفت بها الريح تعجز عن اللحاق بها، وهل تجدي ثقتك بنفسك عنك حين تخذلك الورقة، ألا ترى أن الورقة اليوم أصبحت أعلى منك واكبر، تُميتك وتُحيك، تفقرك وتغنيك، تحقرك وتجلك، ولا حول لك ولا قوة عليها،
لكنها الورقة والقلم اكبر منك ومني ومن الزمن، تذهب كلك وتبقى هي شاهدة عليك، تخلد ما عجزت عن تخليده، تصمت جوارحك وتسكن وتبقى الورقة تنطق وتنبض تتفجر بالحركية والفاعلية التي كانت لك، الورقة والقلم أكبر انجاز إنساني حفظ للإنسان علمه وفكره وذكراه، تخلد لسانه وبيانه، والأساس الأول في معارفه وعلمه وثقافته*اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ* وللعالم فضل على العابد، فلا تيأسن ولا تضجرن إذا كنت من أهل القرطاس والقلم، ذنبك مغفور، بضاعتك لا تبور، كرمك خالق السموات حين اقسم:*وَالطورِ وَكِتَابٍ مّسطورٍ *فى رَقٍّ مّنشورٍ* وقد فصل كل شيء ونبأ: * الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ *خَلَقَ الْإِنْسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ****** فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ*

“البلاد” البحرينية