الرئيسية / وجهات نظر / حوار جنيف الليبي… مآخذ وآمال
alfetoory001 (1)

حوار جنيف الليبي… مآخذ وآمال

انطلق الحوار الليبي في جنيف، برعاية أممية، واعتبره مبعوث الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حوار الفرصة الأخيرة، من دون أن يُبيّن حيثيات هذه “الفرصة” ومقوماتها، حتى يُحكَم عليها عند فشلها بأنها “الأخيرة” حقيقة، وليست تخويفاً أو ادعاء، أو أنها بغرض فرض إملاءات وشروط على طرفي الحوار، فيكونون أمام خيار أمر واقع يفرض الحوار نفسه، من غير وضوح في معالمه، أو أنه يسير إلى أبعد من ذلك بنظرة دولية أممية، من المبكر الحديث عنها. وبالنظر إلى الحوار بمفهومه الشامل، لا بد أن يكون مقبولاً من جميع الأطراف، وهذا ما جرى، على الرغم من تحفظ كل طرف عليه، من أوجه متباينة، حتى صار الاختلاف فيه لا عليه، كما هو موضّح من الطرفين.
ومن أمور تُحمل على حوار جنيف أن بدايته لم تكن متوافقة مع “المؤتمر الوطني العام”، صاحب الشريعة الدستورية القانونية في البلاد، فقد أجّل النظر فيه إلى وقت لاحق، لأسباب واضحة ومقنعة على الأقل للطرف الذي يمثله خصوصاً، ومقنعة عموماً للجميع، كونها تعتبر من قواعد الحوار الناجح الذي يجب أن يصير الجميع إليه. ومن أمور أخرى، أن حوار جنيف لم يجمع الأطراف المتنازعة حقيقة، بل حاول جمع القريب منها والمحسوب عليها، وهذا إن كان ظاهره مقبولاً في الجولة الأولى، فإنه غير مقبول في الجولات المقبلة، أو حين الوصول إلى الاتفاق، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
ويُحمل، أيضاً وبشدة، على المبعوث الأممي في ليبيا اجتماعه مع مطلوب للعدالة القانونية، وعدم اجتماعه مع مَن يمثّل ثوار فبراير المؤتمرين بأوامر السلطة الشرعية الدستورية القانونية، ما يجعل هذا التصرف خللاً واضحاً سينعكس على مخرجات الحوار، باعتبار أن مقدماته مبنية على طرف دون آخر. ويُحمل عليه، أيضاً، عدم وضع معايير محددة في اختيار الممثلين في الحوار، سياسية أو اجتماعية أو حتى قبلية ومناطقية، ناهيك عن أن معايير القوة والنفوذ على الأرض من أولوياتها، فكل هذه المعايير مقبولة، بشرط التوضيح عند الاختيار.
وممّا يُؤخذ على حوار جنيف الليبي، أيضاً، عدم تحديد الأهداف والأولويات التي على الجميع الوقوف عندها، إذ إنها الضامن الوحيد لنجاحه بكل المقاييس. ومن هنا، كان الأجدر على راعي هذا الحوار تحديد أهدافه، ومبادئه، والثوابت التي على الطرفين الوقوف عندها، وإن كانت على مراحل متفاوتة، بحيث تكون المبادئ المتفق عليها، أولاً، ثم يُصار إلى التي يليها. وهكذا، حتى يصار إلى التوافق والوفاق نقطة نقطة، محدودة المعالم بكل وضوح. ولعلّ أبرز المبادئ والثوابت التي يجب اعتمادها احترام أهداف ثورة فبراير، وما قامت من أجله على المجمل، كونها محل اتفاق من الطرفين، ثم يُصار إلى احترام الإعلان الدستوري، وهو محل اتفاقٍ، أيضاً، ثم يصار إلى احترام القضاء والمحكمة العليا في البلاد، وإن كان محل اختلاف بين الطرفين، إلا أنه لُب نجاح الحوار، ويمكن تجاوزه في وقت قصير، بمحاولة التسريع في إنجاز الدستور الذي يعتبر من أهم مقومات قيام الدولة، وتنتهي به الفترة الانتقالية غير المنضبطة دستورياً.
لم يبدأ حوار جنيف على أساس صحيح وسليم، لا بشأن التمثيل من ناحية الأشخاص، ولا الآلية التي اجتمعوا عليها، ولا في التمهيد له قبل انطلاقه، بمحاولة وقف القتال بين الطرفين، ولا حتى ترشيد الخطاب الإعلامي والسياسي لكليهما، وكل هذه الأمور تجعله أقرب إلى الفشل من النجاح.
ولكن، كل ما ذكرنا لم يحدث في الجولة الأولى، بل كان حواراً سطحياً غير معمّق في لب الاختلاف، وكان هذا واضحاً من البيان الصادر في هذه الجولة، ومن بنوده دعوة الأطراف إلى وقف الاقتتال، ووقف الحملات الإعلامية التحريضية التي تثير الفتنة، وغيرها من بنود تصب في تخفيف معاناة المواطن الليبي عموماً، ولا تدخل في لُب النزاع مباشرة.
وممّا يحسب على هذا الحوار في بيانه، التأكيد على أسس ثورة 17 فبراير، واحترام شرعية مؤسسات الدولة وفصل السلطات والانتقال السلمي للسلطة، ونصّ، أيضاً، على تمكين القادة الحقيقيين فيه إلى جانب مزيد من الشخصيات السياسية والاجتماعية والقبلية، وهذا لا يتأتى جيداً، إلا إذا كان الحوار داخل البلاد وليس خارجها. وعموماً، إن لم تتغيّر معالم هذا الحوار في الجولات المقبلة، سيكون الفشل أقرب منه إلى النجاح، وهذا ما ستثبته الأيام والأسابيع المقبلة، وبعدها لكل حادث حديث.

* كاتب ليبي/”العربي الجديد”