الرئيسية / وجهات نظر / الإرهاب لا يولد من فراغ
uvdf

الإرهاب لا يولد من فراغ

لا اختلاف أن ما جرى في فرنسا خلال الأيام الماضية عمل إرهابي بامتياز، وأنه سلوك قبيح مستنكر، وفعل إجرامي لا يرتضيه دين، ولا تقره الشرائع، ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال, ولا يحل لنا ولا لغيرنا التشفي بضحاياه مهما كان جنسهم ولونهم ودينهم، ومن محاسن القدر أن يكونوا من المسيحيين واليهود والمسلمين، فالإرهاب لا دين له ولا وطن ولا جنس، ولا تستثني أثاره البشعة أحدا صغيرا أم كبيرا، ويمكن أن يضرب في أي مكان في العالم، ودوافعه لا تنحصر بمذهبية أو عنصرية أو حزبية، ولعله نشأ في الغرب قبل الشرق، فالمافيات الايطالية وعصابات “الكاوبوي” الأمريكية، وأفلام العنف والرعب والقتل والجريمة والسرقات وتهريب المخدرات الممنهجة والمبرمجة بدقة كانت الزاد الأول الذي غذى العنف في بين النشء في الشرق الأوسط، وبعد أن حصل ما حصل ينبغي أن نقف وقفتين: الأولى إجلالا لدم الضحايا وذكراهم، وثانيها للبحث في الدوافع والمسببات فنحن إزاء حدث محزن مؤسف مؤلم يحتاج إلى التأمل أكثر من الأسى والتذمر.
ما حدث في فرنسا كارثي دموي ولكن والشيء بالشيء يذكر، مقتل سبعة عشر شخصا نصفهم صحفيون مؤلم لكل إنسان حر ونبيل يقدر قيمة الكلمة كسلطة حدها باتر كحد السيف. واراكم ترون ما أرى من ردود فعل عالمية وعربية تشجب وتستنكر وتتظاهر وتسير المسيرات المليونية ويعلن الحداد وتتساقط برقيات التعزية من كل حدب وصوب، في الوقت الذي يسقط فيه مئات القتلى والجرحى في الشرق الأوسط يوميا ولا يستفز سقوطهم أحدا، فهل نصدق أن قيمة الإنسان واحدة والناس سواسية أين ما كانوا؟ لماذا لا يستفز غرق آلاف المهاجرين الأفارقة والآسيويين سوريين وعراقيين وليبيين ويمنيين ولبنانين وفلسطينيين في البحور غضب الكبار ليبحثوا لهم عن حلول جذرية كما يجري في فرنسا، بل أحيانا تشيح الدول الأوربية القريبة منهم عن إنقاذهم أحياء, وتبحث عن جثثهم أمواتا، ألا يثير ذلك حنق من يعاني قسوة هذا التمييز بسبب البشرة أو الاعتقاد.
دعونا نترحم أولا على أرواح الصحفيين الفرنسيين الضحايا الذين سقطوا غدرا، وكانوا بحرية يسخرون من الرموز الإسلامية بطريقة تناسب حياتهم وحريتهم، والقانون الفرنسي يكفل لهم حريتهم الصحفية ولكن لا يكفلها لو سخروا من السامية أو أنكروا الهلكوست اليهودي وبرؤوا المسلمين الأتراك في الحرب العالمية الأولى! وهل يستحق آلاف الفلسطينيين الذين قتلوا في غزة على يد الإسرائيليين هذا المصير المأساوي ماذا فعل لهم العالم الغربي؟ أتسأل فرنسا نفسها لماذا نسبة العاطلين من العمل بين المسلمين30% مقابل 10% من المسيحيين و5% من اليهود، وكلهم فرنسيون سواسية أمام القانون؟ وهل تعنى فرنسا بالفرنسيين من سكان الضواحي كما تعنى بسكان وسط المدن؟ وهل حقوق المسلم الفرنسي من أصول افريقية مصانة كنظيره من الأصول الآرية؟ إن الذين ارتكبوا الجريمة فرنسيون ولدوا وترعرعوا وعاشوا في فرنسا ويحملون تناقضات المجتمع الفرنسي قبل ان يكونوا مسلمين عن عقيدة وإيمان، وتتحمل فرنسا وزر شذوذهم وليس المسلمين والإسلام.
ونسأل فرنسا هل أنصفت أبناء المجاهدين الذين قاموا الاحتلال الفرنسي في الجزائر يوم حاولوا تنصيرها بكل السبل وضمها إلى فرنسا بالعنف؟ وهل رعت فرنسا أبناء الضحايا الجزائريين على يد الشرطة الفرنسية الذين ذهبوا غرقا في نهر السين بمظاهرات 17 أكتوبر عام 1961 وسط باريس وقد أقرّ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند رسميا بمسؤوليتها عن “القمع الدموي” ضد المتظاهرين الجزائريين بالعاصمة باريس للمطالبة بالاستقلال، حيث بلغ عدد شهداء المجزرة آنذاك الألف شهيد والمصابين بالآلاف، واغتيل المئات برميهم أحياء في نهر السين ورميا بالرصاص، وتم توقيف أكثر من 12 ألف متظاهر. وهل اعتذرت فرنسا وعوضت ضحايا تجاربها النووية على البشر بدل الحيوانات في صحراء الجزائر؟ ألا يمكن أن يكون هؤلاء الإرهابيون من أحفاد أولائك الضحايا. “وأن الأسى لا يتنسى”
العالم الذي وقف حدادا على الضحايا الإرهاب في فرنسا، لماذا لا يقف حدادا على مئات الآلاف من مسلمي الروهينغا في مينمار وبورما؟ وهل كانت الدول العظمى كانت عاجزة عن قتل القذافي أو اعتقاله، إلا بعد تحطيم الجيش والسلاح الليبي وتجعله ينتشر في أسيا وأفريقيا وتتفشى موجة العنف والإرهاب في المنطقة، لماذا تعجز الدول العظمى عن وضع حد لمأساة المهجرين السوريين والعراقيين، ولو حصل ذلك في أوروبا هل كان لها أن تنتظر سنوات دون حل؟ وهل نبرأ فرنسا من جرائم حرب ارتكبتها في مالي ضد الطوارق والمسلمين من الأصول العربية؟ اعتقد على الغرب وعموما الدول العظمى إذا كانت صادقة في تلافى خطر الإرهاب أن لا تتغابى عن انتهاك الحقوق، وأن تتحرى عن جذوره ودوافعه العميقة، وتحاربه فكريا وثقافيا، وأن تعترف بالحقيقة المرة وتضع حدا للتمييز ونهب ثروات العالم الثالث وان ترى الناس سواسية كأسنان المشط، فالإرهاب لا يلد من فراغ، وقد قالها الفاروق عمر ابن الخطاب يوما، عدلت فنمت.