الرئيسية / وجهات نظر / صحافيو “شارلي” وما يسطرون!!
BOUKHAZER

صحافيو “شارلي” وما يسطرون!!

اختار من تبقوا من هيئة تحرير، شارلي ايبدو، التصعيد وتحدي مشاعر المسلمين، بإصرارهم وعنادهم على عدم التخلي، ولو برهة من الزمن، عن الخط التحريري المستفز للمشاعر الذي نهجته المطبوعة التي صبت عليها اللعنات في الماضي، من لدن معتنقي الديانات السماوية، زينت، أو بالأحرى دنست، المطبوعة الساخرة، صفحتها الأولى برسم مسيء لنبي الإسلام، لا يمكن إلا أن يثير الامتعاض مجددا والشجب مهما كانت درجة وقوة الإيمان بحرية التعبير عند المتلقين في سائر المجتمعات والبيئات.
ليست رسالة الصحافة صب مزيد من الزيت الحارق على النار التي اشتعلت في مقر الجريدة ذات النزوع الفوضوي الواضح، ثم انتقلت، بفعل الإرهاب، الى أماكن أخرى في العاصمة الفرنسية، حيث مارس المتطرفون القساة، عادة القتل بنفس بشاعة الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام الدولية عن المذابح المروعة التي تقترفها التنظيمات الجهادية المماثلة، في سوريا والعراق ونيجريا واليمن وليبيا وباكستان وسواها.
دور الصحافة، مهما كان توجهها، ان تنضم الى الإطفائيين ورجال الإسعاف ودعاة التهدئة والحوار، لإخماد الحرائق ريثما تهدأ النفوس الهائجة للتدبر بعمق وسكينة في أسباب ما حدث وكيف يمكن استئصال جذوره ودوافعه.
قد يتعلل صحافيو الجريدة ومناصروهم، أن ما أقدموا عليه هو أدنى صور التضامن والتعاطف مع زملائهم الضحايا والوفاء لأرواحهم، وكأن المواساة والاستنكار والشجب الشديد الذي عم أنحاء المعمور لم يكن كافيا لإدانة القتلة.
إن إقحام النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، في معركة بين الإرهابيين ودعاة السخرية والاستهزاء بأسلوب تحريضي استعدائي، ليس موقفا صحافيا بريئا، فإما انه سذاجة سياسية مطلقة يتحلى بها صحافيو الجريدة، وإما انه إمعان وسعي مقصود ومتعمد منهم، لزرع بذور الفتنة والفرقة بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى؛ ليس في فرنسا وحدها وإنما حيث يوجد تعايش وتساكن بين ممارسي الشعائر التي يؤمن القائمون بها انها تقربهم من الفضيلة وترفعهم الى مقامات روحية.
إن التصريحات المسجلة لبعض ضحايا شارلي ايبدو، الذين اغتالهم الإرهاب الدموي الأعمى، أوضحت ان النهج الصحافي المعادي للمقدس والرافض للقيم المتوارثة، الذي ساروا عليه وجر عليهم صيحات الغضب والاستنكار ورفع العديد من القضايا عليهم أمام المحاكم الفرنسية أوصلت الجريدة الى حافة الإفلاس المالي، فأنقذها الإرهاب من مصير محتوم.
يصعب على أي مسلم مهما كانت درجة إيمانه وحتى العلماني واللاديني او البوذي، ان يجد سندا منطقيا ومبررا فكريا وأخلاقيا لما ذهبت اليه الجريدة بعد النكبة التي أصابتها.
كان على هيئة التحرير ان تخفض سقف التحريض والسخرية الرخيصة وترفع راية التسامح بل ان تمارس نقدا ذاتيا ومراجعة صارمة لخطها التحريري وتتساءل بموضوعية فيم أفادها والقراء الذين تتوجه اليهم وأي مصائب أوقع فيها المجتمع الفرنسي. لن يعد ذلك استسلاما او تراجعا أمام الإرهاب. خسارتها المالية دليل على عدم التجاوب مع خطها.
نعم، الكاريكاتير، وسيلة فنية، وإبداع وتعبير ذكي إن الرؤية للعالم والأشياء. يلعب الرسام بواسطته على مفارقات الحياة والناس ويعرضها في قالب ساخر يثير الابتسام وليس البغض، ينبه الناس الى غير المنطقي والشاذ في سلوكهم ليهجروه، لأنهم لا يرضون ان يظلوا مثارا للضحك من طرف الآخرين. هو بمعنى من المعاني نكات مكتوبة بلغة خاصة فيها الإيحاء والرمز وظلال التأويل.
هذه هي خاصية الرسالة المشتركة بين كل الفنون، ان تطهر النفوس من أدران الحقد والغل والكراهية، ان تحث المتلقين على التأكد من أحوالهم.
والمؤمل ان يكون العدد الجديد من، شارلي، الأخير في مسلسل عبثي، لا يتعدى كونه تعبيرا غاضبا عن صدمة فراق عدد من أركان الجريدة لزملائهم، وان تتلمس هذه خطا تحريريا بديلا،لا يتخلى عن ثوابت السخرية المؤذية لمشاعر المؤمنين، تندد بالمظالم والتجاوزات وتنبذ أشكال التطرف ليس الديني او العرقي وإنما حتى الإعلامي الذي سقطت فيه شارلي، دون ان تقدر عواقبه المدمرة.
العالم كله يمر بأزمات، وكثير من المجتمعات تعرف احتقانات وتجاذبات وتدافعات عنيفة، تفرض على حملة الأقلام أكثر من سواهم، ان يخففوا من حدتها بالدعوة الى التسامح والتآخي والتعاضد ضد البغضاء والظلم والجور، بالتصدي لمن يدقون طبول حرب صليبية جديدة.
المعول في نشر وإشاعة هذه القيم الإنسانية المخلصة من التطاحن، على حملة الأقلام، كيفما كان اللون الذي يعبرون به، وليس على حملة البنادق الرشاشة، من ينشرون الرعب في الشوارع.