الرئيسية / وجهات نظر / الأسرة العربية بين جيلين؟
uvdf

الأسرة العربية بين جيلين؟

الفرد سواء أكان الزوج ام الزوجة وحدة بناء الأسرة وعمادها، والأسرة نواة المجتمع وخلية بنائه الأولى، ونطمح إلى مجتمع تسوده المحبة والألفة والرحمة والسعادة، والقيم الفاضلة والأخلاق الحميدة، فالتماسك الأسري في الأدبيات الاجتماعية أساس العائلة الصالحة السعيدة، التي تتوافر لها مقومات التعاون والتآلف والمودة والرحمة، يحرص كل فرد فيها على النهوض بواجبه أخذا بالاعتبار حقوق الآخرين فتظهر الأسرة جسدا واحدا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، يرحم كبيرهم صغيرهم، ويوقر صغيرهم كبيرهم، أخلاقيات توفر للأسرة الاستقرار النفسي والاجتماعي، وتجنب أفرادها الخصام الانحراف، والقلق والاكتئاب ويجعلها أسرة ودودة متفاعلة. ولا زالت الأسرة العربية رغم بعض الظواهر السلبية مترابطة نسبيا، متمسكة بعاداتها العربية الأصيلة القائمة على التكافل والترابط بفضل ما تدعو إليه تعاليم ديننا الحنيف إلا من أبى.
لكن من المسلم به أن حياتنا الأسرية المعاصرة اختلفت كثيرا عما كانت عليه في منتصف القرن الماضي، قبل غزو المدنية الغربية التي أثرت كثيرا في حياتنا الاجتماعية، فبعد أن كانت الأسرة تضم الجد والأبناء وأزواجهم والأحفاد وبعض الأقارب من أهل الزوج والزوجة تشدهم رابطة الدم ويعيشون في منزل واحد، يخضعون فيه لثقافة أسرية هي الأقوى تأثيرا في سلوكهم فتؤسس لروابط عاطفية تحقق تماسكا يعد الموجه الأبرز في الحياة كل فرد كالمودة والسكينة والتوافق والتكافل والتآزر والإحسان ويغذيها العامل الديني، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ فالفطرة لدى الأب نحو أبنائه أقوى منها لدى الأبناء اتجاه آبائهم عند الكبر، وقد جعل الله الشكر له بما انعم أولا ثم للوالدين،﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ لقد كان وعي كل فرد في الأسرة بما له وما عليه قويا يساعد على الاتساق وتوزيع الأدوار فيدرك كل فرد المطلوب منه وما يتوقعه من الآخرين، كان الترابط والتماسك ثقافة تعزز الثقة المتبادلة بين الشريكين الزوج والزوجة فتنعش مشاعر الجميع، فأثمرت هذه الوشائج سلوكا رفيعا يورق بالدفء ويزهر بالتضحية والإحساس بالأمان. وجناه الحب وإن صاحبته الشوائب أحيانا.
اليوم بفعل الثقافة الغربية التي غزت مجتمعنا المعاصر بشراسة وزحزحته عن الكثير من قيمه الأسرية التقليدية الموروثة، وللتعليم ووسائل الإعلام والاتصالات الحديثة وبخاصة التلفاز أثرها الفعال في تغيير القناعات وتنمية الشعور بالخصوصية الشخصية فنمت أخلاقيات تتنافى مع قيمنا العربية الإسلامية، طغت على الجيل الجديد الأنانية والمنفعة الخاصة، وإثار الذات والتمرد واستقلالية الأولاد عن الوالدين، وسيادة النظرة المادية للأشياء، ولاسيما لدى الزوجة فضعف الانتماء وغاب الانضباط الاجتماعي وهو ما ولد تدافعا وصراعا حادا بين قيمنا وثقافتنا الأسرية الأصلية وهذه الثقافة الوافدة، فظهرت في حياتنا مظاهر وظواهر لم تكن مألوفة، كعقوق الوالدين وجحود فضلهما، والتنكر لهما عند الكبر والتخلي عنهما عند المرض والشيخوخة، وظهرت الملاجئ ودور العجزة وأهونهما عزل الوالدين بملاحق صغيرة حقيرة وتركهما لعناية الخدم في وقت تشتد فيه حاجتهما إلى الألفة والحنو العاطفي، تقاليد تطهر الزواج من مفهومه جنسي ومصالح شخصية وترتقي به إلى مشروع اجتماعي ينشئ أمة قوية قوامها أسرة تسودها المودة، الرحمة والسكينة والتسامح، الأخوة والحوار والتآلف، وغايتها تحقيق مبدأ خلافة الإنسان للأرض وأعمارها بالرحمة والتآلف والتكافل.
صحيح أن الإسلام بشموليته التي تغطي ضروريات الحياة ولوازمها وتشيح عن تنظيم الجزئيات الحياتية ودقائقها الصغيرة ليوسع على الخلق حياتهم المادية والمعنوية، ولا يضيق على الإنسان فيحمله أكثر مما يحتمل، لم يلزم الإسلام الزوج والزوجة بالسكن والعيش المشترك مع الأبوين والإخوان والأخوات في منزل واحد إذا تيسر لهم الاستقلال بحياتهم، ولم يلزم الزوجة بخدمة أي من والدي زوجها وجوبا، وتركها لنجاعة الإحساس الإنساني بما على كل منهما. فينبري طوعا برغبة وشوق وسعادة في خدمة الوالدين ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ لربط الناشئة بالقيم الإسلامية، تحقيقا لجيل يثق بذاته وإمكاناته وقادرا على أداء واجباته بفاعلية. فالعلاقة بين الأفراد والأسرة والمجتمع هي علاقة تكاملية تبادلية تأثير وتأثر وفق حالة من الارتباط الذي يسود العلاقات الزوجية والأسرية بكل جوانبها الحياتية والحضارية،
الأبناء يكبرون ويتزوجون، والأزواج ينجبون، ويشيخون ويهرمون، وتبقى الحياة الزوجية مدرسة قيم فكما تدين تدان، الزوجة التي ترضى لزوجها عقوق والديه سيعقها أبناؤها، والزوج الذي يغدر بأقرب الناس إليه أمه وأبيه يغدر بخليلته وصاحبته، والطفل الذي يشب على احتقار جديه يحقر والديه، وكما تزرع تحصد، الأدوار متبادلة، والدوائر تدور، وعجلة الزمن لن تترك أحدا على حاله، فاعتبروا يا أولي الألباب ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾

“البلاد” البحرينية