الرئيسية / وجهات نظر / المؤتمر السابع لحركة فتح: عليه المسؤولية… والرهان
ابراش

المؤتمر السابع لحركة فتح: عليه المسؤولية… والرهان

لأن حركة فتح قائدة المشروع الوطني، ولأنها تمثل الوطنية الفلسطينية، ولأنها على رأس النظام السياسي الفلسطيني، سواء كان منظمة التحرير أو السلطة الوطنية أو الدولة، ولأن عليها المسؤولية والرهان ليس فقط من وجهة نظر أبناء الحركة بل من غالبية القوى السياسية والشعب الفلسطيني، لكل ذلك فإن مؤتمراتها وما يمكن أن ينتج عنها من قرارات تحضا باهتمام فلسطيني وعربي ودولي.
لا شك أن الاهتمام بمؤتمرات فتح اليوم ليس كالسابق، لتراجع مكانة تنظيم فتح ومشاكله الداخلية وتسرب القرار الوطني من يد الحركة خلال السنوات الأخيرة لصالح نخبة جديدة تتشكل على هامش العمل الوطني، إلا أن المؤتمر السابع للحركة له أهميته وهو محط أنظار وانتظار الفلسطينيين والعالم الخارجي، نظرا لاستمرار التداخل بين حركة فتح والسلطة الوطنية ومنظمة التحرير والدولة الفلسطينية الموعودة، ولأنه من المتوقع أن من يتم انتخابه كرئيس لحركة فتح سيترأس، بالتبعية الموروثة، منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة والدولة الموعودة – ستتغير المعادلة إن لم يرشح الرئيس أبو مازن نفسه لرئاسة فتح، في هذه الحالة سيستمر الرئيس أبو مازن رئيسا للسلطة والمنظمة والدولة إلى حين إجراء الانتخابات التشريعية -.
بالرغم من أن عقد المؤتمر السابع لحركة فتح يتزامن مع اليوبيل الذهبي لتأسيسها، وبالرغم من التحديات الجسام التي تواجه القضية الوطنية على كافة المستويات والواقع لصعب لتنظيم حركة فتح، إلا أنه من المؤكد أن المؤتمر السابع لن ينعقد في يناير كما صرح اكثر من مسؤول فتحاوي، ومن غير المؤكد إن كان الرئيس أبو مازن سيرشح نفسه كرئيس للحركة، ومن غير المؤكد عدد أعضاء المؤتمر، ومن غير المؤكد إن كانت غزة ستُمثل بالمؤتمر من خلال ما تفرزه انتخابات الأقاليم والمناطق، أو سيتم تعيين ممثلين عن غزة في المناصب القيادية وخصوصا في اللجنة المركزية، حيث كل أعضائها الحاليين من غزة معينين.
حالة ألا يقين هذه خطيرة ومقلقة لأن الأمر لا يدور حول حزب عادي كبقية الأحزاب، بل عن حزب قائد حيث يراهن عليه الشعب ليُخرج القضية الوطنية من عثراتها ويضع حدا لحالة الإحباط واليأس وانغلاق الأمل بالمستقبل، كما يراهن عليه الفتحاويون ليستعيد القرار الوطني المستقل الذي تمت سرقته من الحركة ولينهي الخلافات داخل التنظيم. بالتالي مهمة المؤتمر في هذا الوقت العصيب خطيرة وكبيرة ولا تقتصر على إحلال أشخاص محل آخرين أو إعادة تثبيت أشخاص بمواقعهم، بل يجب أن يكون محطة لممارسة نقد ذاتي بناء يؤسِس لاستراتيجية جديدة تضع رؤية جديدة لدور ووظيفة حركة فتح، وتجيب على كثير من التساؤلات التي كانت قيادات فتح تتهرب من الإجابة عنها أو تُحيل كل شيء للرئيس على اعتبار أن موقف الرئيس نفسه موقف حركة فتح !.
لأن انعقاد المؤتمر يشكل تحديا ومحطة مفصلية في تاريخ الحركة، ومجريات الأمور في المؤتمر ونتائجه سيحددان ما إذا كانت حركة فتح ستكسب التحدي وتنفض عن نفسها الغبار وأدران السلطة وتثبت أصالة معدنها كحركة وطنية ثورية، أم ستنهار تحت ضغط الانقسام وخلافاتها الداخلية وتصبح كالهرة التي تأكل أولادها، فإن المؤتمر السابع يحتاج إلى تفكير خارج الصندوق، التفكير خارج حسابات السلطة والامتيازات والمناصب وبعيدا عن الكولسات والتكتلات والمؤامرات الداخلية. لذا نرى أن المواضيع الأساسية التي يجب التصدي لمعالجتها داخل المؤتمر في حالة انعقاده أو في المؤسسات القيادية الحالة في حالة عدم انعقاده قريبا:-

أولا: تحويل المواقع القيادية من وظائف إلى مهام نضالية

ما يثير القلق ونحن على أبواب المؤتمر أن هاجس غالبية كوادر وقيادات التنظيم ليست الهواجس والانشغالات الوطنية الكبرى، ولا تنصب على فكرة الاستنهاض التنظيمي والفكري للحركة. الشغل الشاغل للبعض هو كيفية الحفاظ على مواقعهم القيادية أو الارتقاء لمواقع أعلى، ومن كان خارج اللجنة المركزية والمجلس الثوري كل همه كيف يدخلهما، ولذا فإن النشاط الأبرز قبيل المؤتمر هو الكولسات والمؤامرات داخل التنظيم لضمان الفوز وليس التخطيط ووضع الاستراتيجيات لاستنهاض الحركة لتكون في مستوى تاريخها وتضحيات أبنائها والمهمة الملقاة على عاتقها. والسبب في ذلك أن تنظيم فتح لم يعد يمارس مهام نضالية كما عهدناه إلا في أضيق الحدود وغالبا في إطار اجتهادات شخصيه لمناضليه.
البعض من القيادات يتسابقون على نفاق الرئيس ومحاولة كسب رضاه بالتسبيح والتحميد باسمه بالمناسبات وبدون مناسبات، وآخرون يخفون جهلهم وتزلفهم للرئيس من خلال التمسك بالمثل القائل: (إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) فيلتزمون الصمت المطبق وعدم اتخاذ أي موقف أو رأي سياسي حتى في قضايا استراتيجية يُفترض أن يكون لهم فيها رأي، حتى لا يُفسر الأمر وكأنه انتقاد للرئيس أو للسلطة، حتى وإن كان الموقف في إطار الالتزام بالنهج العام لمنظمة التحرير وحركة فتح والاحترام الواجب للرئيس أبو مازن.

ثانيا: تحرير حركة فتح من قيود السلطة واستحقاقاتها

من الضروري عمل مراجعة نقدية لعقدين من تماهي حركة فتح مع السلطة، وكيف خسرت فتح كثيرا من رصيدها الشعبي وطنيا وخارجيا بسبب ذلك، مع أنه في كثير من الحالات كان المستفيدون من السلطة من خارج فتح أكثر من أبناء فتح، فرئيس الوزراء وغالبية الوزراء في الحكومة الحالية والسابقة من خارج فتح، ونخبة المجتمع المدني والنخبة الاقتصادية من خارج فتح،وأبناء فتح في قطاع غزة الأكثر تهميشا وتغييبا عن منافع السلطة وعن صناعة القرار.
ليس من الضروري، بل من الخطورة، أن يكون الموقف والرأي عند حركة فتح هو نفسه موقف السلطة ورئيس السلطة، لأن الرئيس مقيد بالتزامات واستحقاقات سياسية يفرضها موقعه كرئيس للسلطة التي ما زالت مقيدة باتفاقات أوسلو ولواحقه، وبالتالي يجب أن يكون لفتح خطاب متحرر من استحقاقات اتفاقية أوسلو وقيود التسوية المتعثرة ومن سلطة تفقد مع مرور الوقت دورها ووظيفتها الوطنية، حتى إن رئيسها هدد أكثر من مرة بتسليم إسرائيل المفاتيح وتحميلها المسؤولية عن المناطق المحتلة وأهلها. المطلوب حركة لها خطاب ثوري تخاطب به الجماهير الفلسطينية والعربية الرافضة لاتفاقية أوسلو ولواحقه والمؤمنة بعدالة القضية وبحق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال، وخصوصا انه بعد فشل التصويت في مجلس الأمن على مشروع القرار المقدم فالأمور منفتحة على كل الاحتمالات.

ثالثا: استعادة القرار الوطني المستقل

يجب أن يكون استعادة القرار الوطني على رأس اهتمامات المؤتمر السابع وهو القرار الذي أعطى للحركة خصوصيتها وتميزها حين انطلاقتها، وهو ما دفع الزعيم أبو عمار حياته دفاعا عنه. الفتحاويون وغالبية الشعب يتساءلون أين القرار الوطني المستقل الذي طالما تغنى به الفتحاويون والزعيم القائد أبو عمار ومن بعده الرئيس أبو مازن ؟ وهل حركة فتح هي التي تقود بالفعل الشعب الفلسطيني ؟ ومن يحكم فعليا في مناطق السلطة ؟ وما دور بطانة الرئيس في اتخاذ القرارات المصيرية، وخصوصا أن أغلبهم من خارج حركة فتح ومن خارج المدرسة الوطنية أو من المنبوذين منهما ؟ هناك في بطانة الرئيس ومن تسلل ليصبح من مكونات المهرجان الذي يسمى (اجتماع القيادة )، من يعمل على مصادرة القرار الوطني من المؤسسات الشرعية والتاريخية، من منظمة التحرير ومن حركة فتح، ويتلاعب بمصير قضيتنا الوطنية دون حسيب أو رقيب.

رابعا: فتح ضرورة وطنية وليس شاهد زور لتبرير نهج التسوية.

يجب أن يرد المؤتمر السابع الاعتبار لحركة فتح ويخرجها من موقع شاهد الزور على ما يجري، وإن كانت بعض القيادات مستعدة للعب دور شاهد الزور تحقيقا لمصالحها الخاصة أو مصالح الجهات المرتبطة بها، فإن على القاعدة الشعبية والقيادات الوطنية في الحركة، وهم كثيرون، التمرد على هذه الحالة. ومن جهة أخرى البعض يريد أن تكون فتح شاهد زورأو (محلل) لعملية التسوية والتلاعب بمصير الوطن، من خلال معادلة: إن عملية التسوية وما قد تؤدي من تنازلات تحتاج للسلطة والسلطة تحتاج لمنظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة التحرير تحتاج لحركة فتح، وبالتالي فوجود حركة فتح حتى وإن كان وجودا شكليا يخدم عملية التسوية السياسية وهو ضمان استمرار السلطة واستمرار العملية السياسية، كما يرون.

خامسا: فتح حركة تحرر وطني منفتحة على كل الخيارات

ما دامت فتح تحمل أسم حركة تحرر وطني وما دامت فلسطين تحت الاحتلال، فإن المؤتمر السابع مُطالَب بأن يُبدع استراتيجية للمقاومة الشعبية السلمية التي لا تغلق الباب أمام أي أشكال أخرى للمقاومة، ولا تتعارض من العمل السياسي والدبلوماسي، لتحقيق الأهداف الوطنية محل التوافق الوطني.
فتح التي كانت متميزة في إبداعها النضالي وهو ما منحها لقب (أم الجماهير) عليها اليوم أن تشتق وسائل نضالية لمقاومة الاحتلال في الداخل واستنهاض الشعب الفلسطيني في الشتات، لأن الدولة الفلسطينية لن تقوم بقرار دولي، حتى في حالة صدور قرار دولي لاحقا حول إنهاء الاحتلال، فلا ضمانة بأن تستجيب إسرائيل للقرار وتنسحب بمقتضاه من الأراضي المحتلة. الحراك الشعبي المدروس والمنظم، سواء صدر قرار دولي أو لم يصدر، هو ما سيُجبر إسرائيل على الانسحاب، وهو ما سيُقيم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين، وبالتالي فأي قرار أممي لن يكون إلا عاملا مساعدا يضفي شرعية على ممارستنا لحقنا في المقاومة.

سادسا: حركة فتح أكبر من تنظيم فتح، وفتح ليست الحزب الحاكم في الضفة فقط

على المؤتمر أن يتحرر من التفكير بحركة فتح انطلاقا من واقع تنظيم فتح أو في حدود الضفة وغزة فقط. إن كان تنظيم فتح يضم مئات الآلاف فإن حركة فتح تستوعب وتضم الملايين، وهذا يرتب مسؤولية كبيرة على قيادة حركة فتح. حركة فتح حركة كل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وبداية تأسيس فتح وانطلاقتها كانت بالاعتماد على فلسطينيي الشتات وعلى كسب تأييد الجماهير العربية والإسلامية وفي دول العالم الثالث. إن أهمية الاشتغال على الجماهير الفلسطينية والعربية خارج فلسطين تكمن في أن التنظيم أو الحركة الفلسطينية الأكثر حضورا في الساحات الخارجية هي الأكثر قدرة على توجيه مسار وتحديد مواقف الرأي العام في تلك البلاد. لذا على المؤتمر السابع استعادة هذه الجماهير للحركة وعدم تركها للضياع والتيه أو لقوى أخرى تجرها بعيدا عن المشروع الوطني، وعدم قدرتنا على كسب تأييد 9 أصوات في مجلس الأمن بما فيها تأييد دولة نيجيريا الإسلامية الإفريقية يؤشر على تقصير حركة فتح ومنظمة التحرير في الساحات الخارجية.

سابعا: الاهتمام بالثقافة والهوية الوطنية

نظرا لأن إسرائيل لا تحاربنا عسكريا فقط بل تخوض حربا لا تقل هوادة لطمس هويتنا وثقافتنا الوطنية، ولأن حركة فتح تعبير عن الوطنية الفلسطينية فعليها مسؤولية الدفاع عن واستنهاض الثقافة والهوية الوطنية، حتى تواجه الحرب الثقافية التي تشنها إسرائيل على ثقافتنا وهويتنا الوطنية وعلى تراثنا، وحتى على مستوى الرواية التاريخية حيث تتراجع روايتنا التاريخية بشكل ملحوظ وهو ما ظهر في صيغة القرار المقدم لمجلس الأمن، أيضا مواجهة الثقافات والأيديولوجيات المتعارضة مع ثقافتنا الوطنية بل وتحاربها أحيانا باسم الدين. وهذا يتطلب من المؤتمر ومن حركة فتح المتجددة أن تولي اهتماما بمفوضية التعبئة الفكرية والدراسات، مفوضية الإعلام والثقافة، ومفوضية المنظمات الشعبية. لو كان الحفاظ على الهوية و الثقافة الوطنية على سلم اهتمامات القيادة أو كان لدى القيادة إدراك لأهمية الثقافة الوطنية في معركة التحرير، لأولت اهتماما لوزارة الثقافة التابعة للسلطة، بتشجيع وتوجيه الوزارة نحو هذه المهمة الوطنية. ولكن للأسف وكأن هناك قرارا بتهميش الثقافة الوطنية وبالتالي وزارة الثقافة ـ بل كان هناك توجه لإلغائها !.

ثامنا: لا مشروع وطني ولا دولة بدون قطاع غزة.

المؤتمر مُطالب أيضا باستعادة قطاع غزة للمشروع الوطني والهوية الوطنية وعدم تركه غارقا في البؤس والفقر، وحقل تجارب لجيش الاحتلال، وللأيديولوجيات والمشاريع العابرة للوطنية. إن إحساسا يتزايد عند جمهور قطاع غزة بأنهم مهمشون، وأن القيادة والتنظيم المركزي لحركة فتح يتعامل مع قطاع غزة وتنظيم فتح فيه كعبء أو كحديقة خلفية يمكن الاستغناء عنها. يضاف لذلك أن هناك تخوفات وشكوك من انزلاق الأمور لتوظيف مشكلة النائب في التشريعي محمد دحلان لهدف أبعد وأخطر من الخلاف على الزعامة والقيادة داخل الحركة الواحدة. بل يمكن القول بأن هناك من يسعى في حالة استبعاد محمد دحلان وجماعته من حضور المؤتمر السابع إلى تقسيم فتح بما يتماهى مع الانقسام الجغرافي، فنصبح أمام حركة فتح في قطاع غزة منفصلة عن حركة فتح في الضفة، وهذا قد يفتح المجال لشكل من التنسيق والمشاركة بين (تنظيم فتح) في القطاع مع القوى السياسية الأخرى وخصوصا حركة حماس لإدارة قطاع غزة ككيان سياسي قائم بذاته، وقد يكون ذلك تحت مسمى (لجنة إدارة قطاع غزة)، والمشكلة لا تكمن في وجود تنسيق لإدارة قطاع غزة لحين إنهاء الانقسام، ولكن الخشية من أن يكون ذلك على حساب وحدة الوطن والمشروع الوطني وخطوة نحو صناعة دولة غزة.
وفي هذا السياق يجب الحذر من الفكرة التي طرحها البعض وربما بحسن نية، ومفادها عقد مؤتمرات إقليمية متزامنة للحركة، مؤتمر لفتح غزة ومؤتمر لفتح الضفة ومؤتمر لفتح الشتات، هذه وصفة لتقسيم حركة فتح ونهايتها، صحيح أن بعض الأحزاب والحركات الفلسطينية عقدت مؤتمراتها بهذا الشكل، إلا أن هذه الأحزاب لا تعرف خلافات كما هو الحال في تنظيم فتح.أيضا من الخطأ تحميل قطاع غزة وتنظيم فتح في القطاع لوحدهما المسؤولية عن تأجيل عقد المؤتمر في موعده. صحيح أن تنظيم فتح في غزة مهلهل وتنهشه الخلافات الداخلية وهناك مشاكل تواجه انتخابات الأقاليم والمناطق في القطاع، ولكن هذا بحد ذاته نتيجة لخلل ممتد منذ سنوات في تعامل مركز الحركة مع أبناء فتح في القطاع، وليس خللا عند أبناء حركة فتح في قطاع غزة فقط.

*عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة