الرئيسية / وجهات نظر / من سيكون الحليف الأقوى لنداء تونس النهضة أم الجبهة الشعبية
مصطفى القلعي

من سيكون الحليف الأقوى لنداء تونس النهضة أم الجبهة الشعبية

كشفت الانتخابات التونسيّة التي جرت في الربع الأخير من سنة 2014 المنقضية عن خارطة سياسية تتوزعها أقطاب ثلاثة بتفاوت. القطب الأول هو حركة نداء تونس التي فازت بأغلبية برلمانية تمكنها دستوريا من تشكيل الحكومة، وفاز مرشحها الباجي قائد السبسي بمنصب رئيس الجمهورية في الرئاسية، والقطب الثاني هو حركة النهضة الإخوانية التي فازت بالمرتبة الثانية في التشريعية، ولم تشارك فعليا في الرئاسيّة وإنّما دعمت سرا وعلنا المرشح “الترويكي” القريب منها المنصف المرزوقي الذي حل ثانيا في الانتخابات بعد السبسي، والقطب الثالث هو الجبهة الشعبية التي شكّلت كتلة عتيدة في البرلمان بــ15 مقعدا وفاز مرشّحها في الرئاسيّة حمّة الهمّامي بالمرتبة الثالثة.
بين هذه الأقطاب الثلاثة تقاطعات جامعة وتوازيات مفرقة ستكون مؤثرة في خيارات بناء الحكومة المقبلة التي من المفروض أن تشكّلها حركة نداء تونس في فترة لن تتجاوز شهرا إثر التكليف الذي سيصدره رئيس الجمهوريّة الباجي قائد السبسي خلال هذا الأسبوع، بعد أن تكون حركة نداء تونس قد اختارت رئيس الحكومة كما ينص على ذلك الدستور التونسي الجديد.
عندما نتحدث عن هذه الأقطاب الثلاثة الكبرى لابدّ أن نراعي الترتيب، بمعنى أنّ قطبي النهضة والجبهة الشعبية لا يتدخلان في المشاورات الجارية الآن بين حركة نداء تونس وحلفائها الذين سارعوا بإعلان موالاتها منذ الجولة الثانية للرئاسية، لاسيما أحزاب آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر والمبادرة الدستورية. فما رشح عن هذه المشاورات أنها تتعلق بالهيكلة العامة للحكومة في ما يتعلق بعدد الوزارات وكتابات الدولة والأقطاب الوزارية، لا بمكوّناتها ومن سيشارك فيها فعليّا.
حركة نداء تونس تعي جيدا أنّها في حاجة إلى أحد القطبين؛ النهضة أو الجبهة الشعبيّة لتتمكّن من تركيز حكومة قوية وفاعلة.
لماذا النهضة أو الجبهة الشعبية؟ سؤال لا يعني تشابها بين القطبين، وإنّما يعني اختلافا على كل المستويات. ففي مستوى العمق الأيديولوجي حركة النهضة حركة إسلامية إخوانية تشقّها أجنحة متشدّدة لم تخف يوما خطابها الأصولي ولا مشروعها الرجعي ولا ولاءها للمراجع الأجنبية. وخطبة الجمعة الأخيرة التي أداها عبدالفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة والنائب الأول لرئيس مجلس نواب الشعب، تؤكّد الهواجس من أسلوب التقية والتأجيل الذي تمارسه النهضة في مستوى علاقتها بالمشروع الإسلاموي بسبب حركة الجزر التي تعيشها الحركات الإخوانية. أمّا الجبهة الشعبية فتقوم على خلفية تقدمية تقوم على المشترك الكوني من القيم الإنسانية السامية كالحرية والمساواة والعدالة والتقدّم والديمقراطيّة. في هذا المستوى حركة نداء تونس أقرب إلى الجبهة الشعبيّة منها إلى حركة النهضة.
في مستوى الرؤية الاجتماعيّة تقوم ممارسة حركة النهضة على العمل التكافلي الذي يبرّر للتفاوت الطبقي والاجتماعي، مقابل الدعوة إلى التبرّع والرأفة على الفقراء وضعفاء الحال. أمّا الجبهة الشعبيّة فترى التفاوت الاجتماعي ظلما وجب فيه العدل وتطالب بالعدالة في توزيع الثروة وتقاسمها. وتعتبر أنّ للفقراء حقوقا على الدولة وجب الإيفاء بها كالحقّ في السكن والطعام والعلاج والأمن والتمدرس وحتى في الثقافة والترفيه. والحقوق ليست منّة من أصحاب المال ولا من الدولة. في هذه النقطة حركة نداء تونس بحكم تكونها من يساريين ونقابيين وليبراليين مشقوقة بخطين متعارضين، بين من يميل إلى تصوّر النهضة، ومن يحنّ إلى رؤى الجبهة. بقي لابدّ من الإشارة إلى أنّ العمود الفقري لقيادة حركة نداء تونس يتكوّن من يسارييّن ونقابيّين قدامى فيما لا يوجد فيها إسلامي واحد.
في مستوى الحراك الاجتماعي تعول النهضة على النشاط الدعوي وسلاحها مزدوج، هو أوّلا المساجد وثانيا الجمعيّات الخيريّة التي انتشرت بالآلاف في ظلّ حكومتي الترويكا. ولئن كان الاعتماد على التعبئة المسجديّة وخطب الجمعة عملا معاديا للمدنيّة وخارجا عن القانون، ولذلك فهو عمل غير مباشر ومن العسير إثباته، فإنّ العمل الجمعيّاتي عمل مدني. ولكنّها مدنية “متحايلة” على القانون وعلى المدنيّة نفسها، إذ أنّ أغلب الحشد الجمعيّاتي الإسلاموي يشهر لافتة العمل الخيري فيما يضمر العمل التعبوي وحتى التجنيدي. وحركة نداء تونس كانت ضحيّة هذا النشاط وخسرت أحد قادتها في محافظة تطاوين جنوب تونس من قبل متشدّدين متحمّسين تابعين لحركة النهضة وحزب المؤتمر الذي يرأسه منصف المرزوقي.
الجبهة الشعبيّة لها قدرة على التعبئة الشعبيّة المدنيّة للتصدّي لكلّ المشاريع المعادية والانتصار للقضايا الحقوقيّة والفكريّة والإعلاميّة العادلة. والجبهة لا تتحرّك إلا في الساحات والميادين، وقياديوها يكونون على الأرض مع مناضليهم ولا يتخفّون خلف الفتاوى التكفيريّة والخطب المسجديّة شأن خصومهم النهضويّين. ولقد خبر التونسيّون هذه الكفاءة عند الجبهة الشعبية أثناء حكم الترويكا، واغتيال قادتها وأبنائها لم يثنها بل زادها حماسا وإصرارا.
المستوى الاقتصادي هو الذي يبرز فيه التمايز بين الجبهة الشعبيّة وقطبي النداء والنهضة، إذ أن برنامج الجبهة لا يشبه البرنامجين الآخرين من حيث قيامه على تعليق الديون لثلاث سنوات تخصّصها الدولة للأشغال الكبرى مثل الطرقات والبنية التحتيّة وإجراء الإصلاحات اللازمة في المؤسّسات الوطنيّة الاقتصاديّة والخدماتيّة كالشركات المعدنيّة والمنجميّة والمستشفيات والمؤسّسات التربويّة وغيرها، إضافة إلى إعداد ما يلزم من التشريعات والنظم لهيكلة القطاعات المنتجة كالفلاحة والسياحة والخدمات. بينما للنهضة ونداء تونس برامج أخرى قوامها التعويل على رأس المال الأجنبي تحت يافطة الاستثمار أو التداين من أجل إنقاذ الاقتصاد الوطني ومقاومة البطالة.
لابد من الإشارة إلى أن هناك عاملا مهما في مسألة تشكيل الحكومات والحفاظ على الانسجام والتناسق بين مكوّناتها هو عامل الثقة. وفي هذا السياق نذكر بأنّه لما استلمت حكومة الترويكا بقيادة النهضة الحكم من حكومة الباجي قائد السبسي مطلع 2012 قالت حينها إنّ السبسي ترك لها حكومة مفخّخة باتفاقات مع الاتحاد العام التونسي للشغل الشريك الاجتماعي الأكبر. ولذلك حاولت التراجع عن هذه الاتفاقات وإبعاد اتحاد الشغل وتحييده عن الشأن العام. ولما استعصى عليها ذلك جندت رابطات العنف للاعتداء على النقابيّين وعلى مقرّهم المركزي يوم 4 ديسمبر 2012 وتكرّرت الاعتداءات في مناسبات أخرى. فلو شاركت حركة النهضة في حكومة النداء هناك خشية من أن تصير حكومة ألغام وفخاخ متبادلة.
حركة نداء تونس، وبعد أن ترتّب بيتها الداخلي وتنهي خلافاتها بما يتناسب ومسؤوليّات الحكم، سيجد رئيس حكومتها نفسه أمام إكراهي النهضة والجبهة الشعبيّة، علما وأنّ النهضة راغبة في المشاركة في الحكومة، بينما الجبهة الشعبيّة متوجّسة بل فاترة الرغبة. باختيار النهضة تضمن حركة نداء تونس الراحة البرلمانية وتتنكّر لشعاراتها الانتخابيّة وباختيار الجبهة تضمن الراحة الاجتماعية، ولكنّها في هذه الحالة ستكون مضطرة إلى تقديم تنازلات اجتماعية واقتصادية. فمن سيكون الحليف الأقوى لنداء تونس النهضة أم الجبهة؟

*كاتب وباحث سياسي/”العرب”