الرئيسية / وجهات نظر / “مشكلتنا في نخبتنا”
758a3389efb46e106c29158d84a48457

“مشكلتنا في نخبتنا”

المتتبع لمستوى النقاش والجدل السياسي والاعلامي السائد اليوم في بعض الأوساط يدرك حجم المأساة الأخلاقية التي نتخبط فيها كلنا ومدى إفلاس النخبة في القيام بدورها أمام تراجع القيم والمبادئ وسلطة الضمير وعدم احترام القوانين خاصة عندما تصل الإساءة إلى رموز الوطن ومؤسسات الجمهورية، وينزل مستوى النقاش إلى أسفل الدرجات أمام أنظار وأسماع السلطات القضائية، وصمت الرئيس وبعض الشخصيات والأحزاب والنخب مما ينذر بمخاطر مدمرة للدولة وللأجيال الصاعدة التي تنشأ على الحقد والكراهية وعلى الاقصاء وتصفية الحسابات وسط صراع لا أخلاقي بين من يرغبون في الحفاظ على السلطة وبين من يريدون الاستحواذ عليها…
لقد بلغ الأمر درجة لا مثيل لها من الاحتقان وصل إلى حد المساس بخصوصيات الناس وحساسيات مؤسسات الجمهورية أمام اختفاء صوت العقل وتخلي السلطات القضائية عن مهامها وضعف الكثير من مؤسسات الجمهورية مما أدى إلى ضعف الدولة أو بالأحرى إضعافها عن قصد من أناس لا يتحلون بثقافة الدولة ولا يقدرون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم ولا يدركون بأن الأمر يتعلق ببلد اسمه الجزائر لا يجب ولا يمكن اختزاله في شخص رجل واحد، وها هو يعيش تراجعا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ووضعا مأساويا انقلبت فيه المفاهيم وساءت الأخلاق وانتشرت فيه الشيتة والتطبيل والخوف من التغيير…
معلوم أن التطرف يؤدي إلى مزيد من التطرف، وتطرف السلطة في التسلط والتسيب والاقصاء على مر السنين أدى إلى مزيد من التذمر في بعض الأوساط السياسية والشعبية، وما يحدث من نقاش هو نتاج الحقد والاقصاء والظلم الذي وقع على الناس خاصة منذ رئاسيات 2004 ويتكرر اليوم عشية انتخابات 2014 التي يصنف فيها الناس بين مؤيدين ومعارضين للعهدة الرابعة مما سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان والانتقام بين الفئتين، لتبقى الجزائر رهينة حسابات وتصفية حسابات، ورهينة فعل ورد الفعل…
مشاكلنا تعددت وتنوعت ولم تعد تقتصر على رئيس أصبح عاجزا عن القيام بمهامه ويدفعه محيطه للاستمرار في ظروف لا إنسانية، ولم تعد تقتصر فقط على طبقة سياسية ضعيفة على كل المستويات، وعلى ممارسة سياسية وإعلامية لا أخلاقية ولا مهنية، ولكنها أصلا تعود إلى نخبة فكرية وثقافية وسياسية فشلت في القيام بدورها وواجباتها تجاه السلطة والمعارضة وتجاه الشعب والوطن على حد سواء، ولم تعد قادرة على القيام بمهامها لأنها دخلت في دوامة البحث عن التموقع طمعا في السلطة والمنفعة أو خوفا من السلطة ومن تضييع مصالحها ومكاسبها…
فشل النخبة وحاجتنا الى نفس جديد والى تغييرات عميقة في منظومتنا يضاف الى حاجتنا الماسة الى أخلقة العمل السياسي وأخلقة الحياة الاجتماعية والمزيد من الحب والاحترام لأن الجزائر لن يقدر عليها رجل واحد يصنع المعجزة بل سينهض بحِملها كل رجال ونساء الجزائر، ومجتمعنا اليوم لم يعد بحاجة إلى التطبيل والتهويل ومزيد من الفضائح والفتن بل إلى إيقاف المهازل وحلول للمشاكل لتجاوز الواقع المسدود الذي نعيشه قبيل الرئاسيات ونتوقعه بعد الرئاسيات إذا استمر الحال على ما هو عليه، تعيس وكئيب ومخيف دون آفاق ومعالم واضحة، ودون نماذج ومعالم يقتدي بها الجيل الصاعد الذي ضاع ولم يجد نفسه في ظل الصراعات والتجاذبات القائمة اليوم بين أطراف يجب أن ترحل بهدوء وترحل معها كل الوجوه المستفزة وكل الممارسات التي لم نعد نتحملها وصارت عبئا على وطن يتألم أبنائه وهم يسمعون ويقرأون الاساءات المتبادلة بين أبناء البلد الواحد…
الكثير من الساسة فشلوا في تقديم البديل وصناعة الرأي، وبعضهم دخلوا بيت الطاعة خوفا أو طمعا، والبعض الآخر يشارك في مسرحية هزلية لأغراض خاصة، والكثير من المثقفين تخلوا عن واجباتهم في تنوير الرأي العام وتثقيفه ودخلوا بدورهم في نقاشات بيزنطية وصراعات هامشية تاركين الميدان للمنتفعين وأصحاب المال، أما النماذج والمعالم التي يمكن أن تكون قدوة لمختلف فئات المجتمع فقد قتلناها وقتلنا فيها كل شيء جميل حتى تبقى الغلبة لأصحاب النفوذ والمال، ويبقى المستوى رديئا ومتخلفا لا يخضع لمعايير الامتياز …
“الحدث الجزائري