الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا «الفاشلة» أم.. المُفْشَلَة؟
محمد خروب

ليبيا «الفاشلة» أم.. المُفْشَلَة؟

صومال أخرى، ولكن هذه المرة في الشمال الافريقي أو قل في الضفة الجنوبية للمتوسط «والنقطة» الأقرب الى «الجنة» الاوروبية، التي يغتني عبرها المُهرّبون والمُتاجرون بالبشر على قواربهم المهترئِة والتي تُقدم وجبات طازجة من لحوم الفقراء والهاربين من جحيم أنظمة الاستبداد والفساد والمافيات سواء في افريقيا أم في بلاد العرب..
نحن نتحدث عن ليبيا، التي لم تنجح ثورتها (أهي ثورة بالفعل؟) في تقديم بديل للشعب الليبي من جماهيرية الأخ القائد، الذي ظن عن هَبَلِ وجنون وعظمة، انه فعلاً مبعوث العناية الإلهية لليبيين بل العرب والافارقة، لكن الخيبة سرعان ما لحقت بغالبية الشعب الليبي الطيب، الذي بات رهينة في يد الميليشيات وامراء الحرب والزنقات على نحو بات بعضهم يتحسر على «الأمن» النسبي الذي كان يوفره العقيد الطاغية مقارنة باستباحة الاموال والممتلكات والاعراض ونهب الثروة الوطنية من قِبَلِ معظم الذين يتدثرون برداء الثورة..
دخلت ليبيا منعطفاً خطيراً، بعد ان اخذت المواجهات بين الميليشيات (بما في ذلك ما يوصف بالجيش الوطني التابع للحكومة المعترف بها دولياً وهي حكومة عبدالله الثني) بُعداً جديداً يتمثل في الاستخدام «المتبادل» للغارات الجوية، والتي يُفسرها كل طرف وفقاً لأهوائه وخطابه، اكثر مما يتكئ على فهم جديد وخصوصاً توافقي لاخراج البلاد من حال الحرب الاهلية الفعلية التي تكاد تشمل كل انحاء البلاد، بعد ان بدت للحظة وكأنها توشك على الانتهاء، بعد ان «اطمأن» الاوروبيون الى استمرار تدفق النفط الليبي «الحلو» وبعد ان استبدلت الامم المتحدة مبعوثها الى ليبيا، فأنهت عقد طارق متري اللبناني وجاءت بمبعوث ايطالي من اصل سويدي، كان، او بدا، اكثر فاعلية من اللبناني بطيء الحركة والايقاع..
المشهد المتفجر الراهن، يكاد يجلب اليأس للجميع بعد ان بات «الهلال النفطي» هو محور المواجهات وبعد ان باتت ثمانمائة الف برميل من النفط الليبي نهباً للحرائق يومياً، ما يضع البلاد امام كارثة مالية واقتصادية وخصوصاً بيئية، ويخفف من الاهتمام الدولي وبخاصة الاوروبي في التدخل كـ «وسيط»، رغم ان الأمم المتحدة كانت حددت الخامس من كانون الثاني القريب موعداً لبدء الحوار بين الاطراف الليبية المتواجهة..
صحيح ان المتقاتلين على جانبي المتراس، مدعومون من اطراف خارجية ذات مصلحة في الإبقاء على الحريق الليبي مُسْتَعِراً، لأسباب لها علاقة بموازين القوى والتحالفات الجديدة، التي التي طرأت خصوصاً بعد تطورات المشهد المصري وسقوط حكم الاخوان المسلمين هناك، ما دفع المتضررين وهم كثر في المنطقة المغاربية والاقليم، الى الاستنفار وإعادة ترتيب اولوياتهم وضخ المزيد من الاموال والعتاد والمتطوعين على الاراضي الليبية لصالح تنظيم انصار الشريعة ومجلس شورى ثوار بنغازي وغيرهما من الميليشيات ذات التوجهات الاسلامية السلفية والجهادية المنضوية تحت راية «فجر ليبيا»، إلاّ انه صحيح ان الطرف الاخر لم يجلس صامتاً بل مدّت اللواء خليفة حفتر بكل ما يحتاجه من دعم سياسي وعسكري واعلامي وراحت ترشحه لموقع وزير الدفاع والقائد العام للجيش الليبي بعد اعادته من التقاعد، بهدف انجاز المهمة التي اخذها على «عاتقه» مبكراً عبر عملية «الكرامة» التي لم تحقق اهدافها حتى الان سواء في «تحرير» بنغازي ام في الزحف على العاصمة طرابلس العاصمة لتحريرها هي الاخرى من مسلحي «فجر ليبيا».
وإذا ما صحّ ادعاء «داعش» الاخير، بأنه هو الذي نجح في تفجير مبنى قوات الامن الدبلوماسي متوعداً بأن ما هو قادم «أدهى وأمرّ» فإننا نكون امام تطور خطير، بأبعاد اقليمية خصوصا، الامر الذي لن تقف حياله مصر السيسي وقفة المتفرج تماما كا الجزائر (وتونس)، رغم ان الجزائر كانت رفضت وحذرت من اي محاولة للتدخل العسكري في ليبيا من اي جهة «غربية» كانت، وهو امر مفهوم ووجيه، في ظل احاديث متواترة عن تقسيم ليبيا والسيطرة على حقول النفط ومرافئ التصدير وايجاد قواعد عسكرية ثابتة تقف في مقدمتها قاعدة «افريكوم» الاميركية التي رفضت الجزائر على وجه التحديد استضافتها على اراضيها وحذت دول عديدة حذوها، ما أجبر واشنطن على «وضعها» في المانيا مؤقتاً.
التراشق الاعلامي بين الذين يقفون خلف عملية الكرامة (حفتر والجيش)، ومَنْ يرفعون راية «فجر ليبيا» يبدو عقيماً ومفلساً يحاول كل طرف منهما ان يتهم الاخر بأن لجوءه الى القصف الجوي، ليس لاسباب عسكرية بل سياسية، تستهدف تقويض فرص نجاح الحوار الذي دعت اليه الامم المتحدة، خطاب يبدو متهافتا وباعثا على السخرية، لان المعارك لم تتوقف ذات يوم اولاً، ولان الموافقة على الحوار كانت لشراء الوقت في محاولة لتحقيق تقدم ميداني قبل الخامس من كانون الثاني الوشيك بما يسمح بتعديل موازين القوى ويمنح الطرف المنتصر هامش مناورة اوسع لفرض مطالبه وشروطه.
ليبيا متجهة في تسارع لافت الى حجز مقعد في قائمة الدول الفاشلة، فَمَنْ هم الذين اوصولها الى تلك «المكانة».. أهلها وامراء الحرب فيها؟ أم هم العرب والاوروبيون والاميركان؟

* كاتب صحفي/ “الرأي” الأردنية