الرئيسية / وجهات نظر / تونس في طريق الديمقراطية

تونس في طريق الديمقراطية

قام المهدي جمعة رئيس الحكومة التونسية بزيارة رسمية إلى المغرب استغرقت ثلاثة أيام وهي الزيارة التي جاءت في أعقاب الزيارة التي قام بها الأمير مولاي رشيد لتمثيل العاهل المغربي محمد السادس في الاحتفالات الرسمية التي نظمتها الرئاسة التونسية بمناسبة المصادقة على الدستور الجديد وهي إشارة قوية للدعم الذي يقدمه المغرب لمسار التحول الديمقراطي في تونس..
المغرب ظل منذ البداية داعما لصيرورة التحول الديمقراطي في البلد التي انطلقت منه شرارة الثورات العربية، وكل التحولات السريعة الجارية في تونس تدل على أن بلاد الزيتونة ماضية في طريق الانتقال الديمقراطي الحقيقي..
فقد مرت تونس بفترة عصيبة كادت تعصف بالأمل في إمكانية بناء مسار ديمقراطي على أرضية وثيقة دستورية تتمتع بالسمو بين جميع التونسيين، خصوصا بعد اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد وبعده المعارض محمد براهمي في ظل حكومة يترأسها إسلامي معتدل وهو حمادي اجبالي..
حركة النهضة لم تكتف بالتنديد بالحادث ولكن قدمت تنازلات ملموسة وتحملت مسؤوليتها فيما وقع، وأقدمت على تعديل حكومي أطاح برئيس الحكومة وبأربعة وزراء يحملون حقائب سيادية..
نجاح الثورة المضادة في مصر والانقلاب على المسار الديمقراطي وما رافقه بالإطاحة بأول رئيس منتخب، كانت له تداعياته المباشرة على المشهد التونسي، مما شجع بعض القوى من اليمين واليسار للضغط من أجل تعطيل المسار الانتقالي وتقديم النهضة ككبش فداء..
عاشت تونس في هذه الفترة على إيقاع احتجاجات اجتماعية خطيرة، وتصاعد حجم الإضرابات التي شلت الحركة الاقتصادية في عدد من القطاعات، وهو ما انعكس بشكل واضح على الأجندة الزمنية لصياغة الدستور والخروج من المرحلة الانتقالية..
وكادت مؤسسات الدولة أن تنهار خصوصا بعد تعليق أشغال المجلس التأسيسي بعد اغتيال البراهمي، لولا صمود التحالف الثلاثي الحاكم والاستعداد الذي أبدته النهضة للتنازل، وبعض الأطراف المدنية الفاعلة ، بالإضافة طبعا إلى الدور التاريخي الذي قام به الاتحاد العام التونسي، والحياد الذي أبان عنه الجيش مع اضطلاع المؤسسات الأمنية بدورها على الوجه المطلوب.
قيادة النهضة أبانت عن حس براغماتي واضح، فرغم حصولها على الرتبة الأولى في الانتخابات بوأتها رئاسة السلطة التنفيذية فقد استوعبت طبيعة المرحلة الانتخابية التي تحصر وظيفة العملية الانتخابية في جانبها البيداغوجي ولا تمنحها الشرعية السياسية الكاملة لتستفرد بتدبير شؤون البلاد..
الدرس المصري كان حاضرا، ورغم الضغط الذي تعرضت له قيادة النهضة من طرف قواعدها الثورية، فقد اختارت قيادة الحركة منهج التنازلات المحكومة بمنطق التوافق والتراكم، وهو ما جعلها تفضل طريق الحوار تحت إشراف الفاعل النقابي عوض نهج طريق التصعيد والغلبة الذي كان يمكن أن يعود بالفشل على الجميع، وهكذا التزم رئيس الحكومة بتقديم استقالته، وتم تشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة البلاد والإشراف على العملية الانتخابية في ظل الدستور الجديد..
دستور ما بعد الثورة لم يكن إلا محصلة توافقات فكرية وسياسية وقيمية، ومرة أخرى اختارت القيادة الحكيمة للنهضة أسلوب المرونة في التعاطي مع بعض المقتضيات الدستورية المرتبطة بموقع الدين الإسلامي في الدستور، وهكذا تخلت حركة النهضة عن مقترحها بشأن اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا للتشريع، ووافقت على مطلب حرِية الضمير وتجريم التكفير، كما وافقت على شكل الحكم الرئاسي عوض النظام البرلماني الذي كانت تفضله منذ البداية..
وعلى عكس ما يعتقده البعض فإن حركة النهضة خرجت قوية من هذا الاستحقاق التاريخي ورسمت صورة إيجابية عن أدائها السياسي، وهي صورة الحركة الإسلامية المعتدلة التي تتعاطى بمرونة وبواقعية مع الفعل السياسي، كما أنها تلك الحركة التي تعلي من مصلحة البلاد على حساب مكاسبها السياسية الآنية..
التجربة التونسية تقدم اليوم نموذجا جديدا في الانتقال الديمقراطي، وتؤسس لعلم انتقال ديمقراطي عربي، سيكون بدون شك محل دراسة من طرف علماء الانتقال الذين اشتغلوا كثيرا على تجربة جنوب إفريقيا وإسبانيا والبرتغال وتجربة بعض دول أمريكا اللاتينية..
لقد كانت تونس ملهمة للعديد من الدول العربية لتدشين ثورات شعبية ساهمت في سقوط رموز العديد من الدكتاتوريات العربية، ونجاح هذه التجربة سيؤسس لعم انتقال عربي نحن في أمس الحاجة إليه، لنؤكد للعالم بأن المنطقة العربية لا يمكن أن تبقى منطقة استثناء ديمقراطي، مع الإيمان العميق بأن تجارب الانتقال في الدول العربية ستتأثر بالخصوصيات الثقافية والمعطيات والاقتصادية والاجتماعية لكل دولة.
ولذلك فإن من أهم المعطيات السوسيوثقافية التي ساهمت في بناء التجربة الديمقراطية التونسية هو مستوى التعليم والوعي الشعبي بالإضافة إلى وجود طبقة وسطى واسعة مقارنة بتجارب عربية أخرى.
هذه التجربة قامت أيضا على الدور المهم الذي اضطلع به المجتمع المدني التونسي، وخاصة دور الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو دور يتجاوز القيام بالوساطة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتحاورة، إلى استيعاب التناقضات الموجودة وإعادة تكييفها وصياغتها في مقترحات مقبولة من الأغلبية، بل في بعض الأحيان كان الاتحاد يتحول إلى دور الطرف القوي الذي يقوم بالضغط على أحد الأطراف وإقناعه بضرورة التنازل لفائدة الطرف الآخر..
كما أن الدور الحيادي للمؤسسة العسكرية وامتناعها عن التدخل في الصراعات السياسية ساهم في هذا التحول، كما ضمن للجيش هيبته واحترامه من طرف الفرقاء السياسيين، وجنب البلاد السقوط في حالة الفوضى كما هو الشأن عليه في أقطار عربية أخرى..
كما أن القراءة الواعية التي قامت بها النهضة لمعطيات المرحلة السياسية جنبتها الوقوع في اختزال السلطة في الأغلبية العددية، واعتبار العملية الديمقراطية تتجاوز النصف زائد واحد، كما أن ذكاءها السياسي جنبها اللعب بالورقة السلفية ورفض الاصطفاف السياسي على أساس هوياتي، ولذلك ليس غريبا أن يكون علي العريض هو أول مسؤول تونسي يعلن عن تصنيف جماعة اأنصار الشريعةب كجماعة إرهابية..
وبالعودة إلى الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة التونسية إلى المغرب، فإن نجاح التجربة الديمقراطية في تونس سيساهم في تسريع بناء اتحاد المغرب العربي.
إن صيرورة الوحدة المغاربية لا يمكن فصلها عن دينامية التحول الديمقراطي، وذلكم هو الأمل الكبير لشعوب المنطقة التواقة إلى الحرية والديمقراطية والعيش الكريم.. وإلى الوحدة أيضا..
“القدس العربي”

loading...