الرئيسية / وجهات نظر / أميركا وكوبا..عاصفة على السيجار!!!
BOUKHAZER

أميركا وكوبا..عاصفة على السيجار!!!

بعد مرور أكثر من نصف قرن، على أطول واقسي حصار فرضته دولة على أخرى في التاريخ الحديث، انتصر المنطق السياسي البراغماتي على حسابات ايديولوحيا الحرب الباردة التي وضعت أوزارها منذ انهيار جدار برلين.
أفرجت الولايات المتحدة أخيرا عن كوبا من معتقل الحصار الاقتصادي والدبلوماسي والسياحي والعلمي وحتى العاطفي، وأصبح بإمكان البلدين ان يتبادلا البعثات الدبلوماسية وان تفتح الحدود تدريجيا بين واشنطن وهافانا، لينتقل الكوبيون والأمريكيون في الاتجاهين.
سيقول التاريخ ان الولايات المتحدة تأخرت كثيرا قبل اتخاذ هذا القرار، فلطالما نصح به كثيرون. كان بالإمكان ان يزفه كبشرى، الرئيس الديموقراطي، بيل كلينتون، وهو المشهور بافكاره التحررية وبدهائه الدبلوماسي وحنكته في التفاوض السري والعلني، خاصة وان الظروف كانت ناضجة ومواتية خلال ولايتيه، لكسر ذلك “الطاوبو” بعد ان انفتحت كثيرمن دول العالم في اميركا الجنوبية واوربا على كوبا وتعاملت باحجام متفاوتة مع نظام، فيديل كاسترو، قبل تنحيه، فجاء شقيقه، راوول، ليدفع السفينة في نفس الاتجاه، متخذا اجراءات انفتاحية محسوبة مصاحبة في الداخل، عبر تخفيف القيود على الاقتصاد وفتح نوافذ لنسمات معتدلة من الحرية.
التقارب الاميركي الكوبي، له دلالات عدة، اهمها تاكيد مبدأ ان لا عداوة دائمة في العلاقات الدولية ؛ فهو الثابت الذي بتغير حسب الظروف، لكن سرعان ما يتم الاحتكام اليه. الامر الثاني يتمثل في ان هذا الحدث النوعي، افرز معطى مهما في السياسة الدولية، ونقصد الدور الذي قام به الفاتيكان في جعل التصالح ممكنا بين اخر قلاع الشيوعية الملحدة وزعيمة العالم الحر، بل يمكن القول ان الدبلوماسية الكتومة جدا التي ما رسها الحبر الاعظم في روما، هي التي دفعت الطرفين المتحاربين الى الاعتراف بالاثام التي يسببها الواحد للاخر، بل يمكن القول ان النجاح تتقاسمه ديلوماسيتا الفاتيكان والبيت الابيض دون اهمال الدور المميز الذي اضطلعت به كندا في نفس الاتجاه.
والمؤكد ان عوامل ساعدت ومهدت للاعلان التاريخي في وقت متزامن في كل من هافانا وواشنطن، لعبت فيها الاتصالات غير المعلنة والمناشدات والتقارير الاستخبارية عاملا فاعلا، فلربما انتبهت الى ان العالم تغير جذريا، بما فيه كوبا والكوبيين انفسهم حتى اللاجئين الفارين من حكم كاسترو. فالجيل الاول من اولائك المنفيين في ميامي، وفلوريدا، وهنت مقاومتهم واستسلموا،بفعل تقدم العمر، الى القدر، اما ابناؤهم واحفادهم فلا يشاطرونهم نفس حلم العودة الى الوطن على صهوة دبابات الپانتاغون، بل لربما علقوا على صدورهم صور ازنستو تشي غيفارا، رفيق كاسترو، الذي تحول الى ايقونة ثورية رومانسية.الشباب الكوبي من اصول مهاجرة، يطمح في زيارة الوطن الام كسواح ينثرون الدولارات في مطاعم وملاهي وفنادق المدن والمنتجعات الكوبية وينفحون فقراء بلادهم .
اكيد انه تم درس توقيت الاعلان عن القرارمن كافة جوانبه، لكن تزامنه مع الاحتفال باعياد الميلاد واستقبال السنة الميلادية الجديدة، يلبسه لباسا دينيا ويحمله معاني الصفح والغفران. هذا امر لا ريب فيه، كونه اعترافا بالجهود التي بذلها البابا الحالي والذين سبقوه في ذات المسعى، موظفا انتماءه الى امريكا الجنوبية ما مكنه من الحديث باللغة الاسبانية، صراحة وبقلب مفتوح مع الرئيس الكوبي، راوول كاستوو، في هافانا، قبل مدة.
وتفترن كوبا في اذهان الناس، بمنتوجين زراعيين هما السيجار وقصب السكر، لكن البضاعة الاولى هي التي تثير شهية المدخنين للاصناف الكوبية الرفيعة التي لا تظاهى جودتها، لذلك كانت فرحتهم عارمة بما عزم عليه الرئيس اوباما ونفذه رغم معارضة محتملة من الكونغريس،حيث يسيطر الجمهوريون، لكن ساكن البيت الأبيض بات موقنا ان القوى المحافظة مهما اشتدت معارضتها لا تستطيع ان ترجع التاريخ القهقرى، الى أجواء ازمة خليج الحنازير حيث كادت الحرب النووية ان تشتعل بين العملاقين الروسي والاميركي.
في عقد الستينيات، استعلمت الصحافة الدولية عبارة ” عاصفة على السكر ” كناية عن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على المجموعة الثورية التي اطاحت بنظام ” باتيستا” السيء السمعة،وهاهي مؤشرات عاصفة أخرى على السييگار، ذي الألياف اللذيذة تهب على هافانا.
ومن الصدف الماكرة ان يكون الرئيس الديموقراطي الراحل، جون كيندي، هو الذي قرع طبول الحرب على كوبا وفرض الحصار الشامل عليها، ليأتي رئيس من نفس العائلة الحزبية، ليمحو التركة، مدفوعا بتحول جذري في الرأي الداخلي والخارجي نحو التهدئة والسلم. برهن، اوباما، انه كان جديرا بنيل جائزة نوبل للسلام، مع أنها منحت له خلال ولايته الأولى. لقد رد الدين إذن للاكاديمية السويدية ولأعضائها القيمين على وصية الفريد نوبل، مخترع الديناميت الذي أصبح وسيلة تدمير في كثير من الأنحاء.
لا شك ان الرئيس المعتزل العجوز، كاسترو، سيقول في قرارة نفسه “لقد انتصرت الثورة وصمدت أمام الامبريالية نصف قرن” لكنه لا يمكن ان يقر بالخسائر وبالفرص الضائعة.
والحقيقة ان المنتصر في هذه المواجهة العقيمة هو العقل، أما المنهزم فليس إلا العناد الأعمى في الاتجاهين.