الرئيسية / وجهات نظر / عندما نعشق التاريخ…؟!
340الأستاذ-محمد-أديب-السلاوي

عندما نعشق التاريخ…؟!

-1-
التاريخ في منظور الباحثين المختصين هو تحليل وفهم للأحداث التاريخية عن طريق منهج يصف و يسجل ما مضى من وقائع و أحداث، و يحللها و يفسرها على أسس علمية صارمة، بقصد الوصول إلى حقائق تساعد على فهم الماضي و الحاضر و التنبؤ بالمستقبل.
و في مفاهيم الموسوعات والقواميس اللغوية، التاريخ فن يبحث عن وقائع الزمان من حيث التعيين و التوقيت، و موضوعه الإنسان وأزمنته / هو القيام بدراسة تعتمد على حقائق الماضي وتتبع سوابق الأحداث في الماضي والحاضر، ودراسة ظروف السياقات التاريخية وتفسيرها في الماضي والحاضر والمستقبل، فمنهج البحث التاريخي في نظر المؤرخين المختصين، هو مجموعة الطرق و التقنيات التي يتبعها الباحث و المؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية، و إعادة بناء الماضي بكل وقائعه و زواياه ، وكما كان عليه زمانه و مكانه، تبعا لذلك فالمنهج التاريخي يحتاج إلى ثقافة واعية و تتبع دقيق بحركة الزمن التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على النص التاريخي .
والتاريخ في المعاجم البريطانية، حسب كلمة history، كلمة مشتقة من الكلمة الاغريقية (هستوريا) بمعنى التعلم، وكانت تعني حسبما استخدمها الفيلسوف الاغريقي ارسطو طاليس سردا منظما لمجموعة من الظواهر الطبيعية سواء جاءت مرتبة زمنيا أو غير مرتبة في ذلك السرد.
وهناك تعريف آخر للتاريخ هو الذي يعني التاريخ الحي، أما الاخبار فهي التاريخ الميت، والتاريخ هو التاريخ المعاصر بينما الاخبار cronica، هي التاريخ الماضي، والتاريخ اساس فعل ماض بينما الاخبار فعل للارادة وكل تاريخ يصير اخبارا اذا لم يعد مفكرا فيه.
وخارج هذه التعاريف، يظل التاريخ مصدرا للتعلم، فهو ذاكرة البشرية ومستودع تجاربها، والمؤرخ هو الذي يتفاعل مع الحوادث ويناقش هذا الماضي من وجهة نظره، والتاريخ ينبع من العظة والعبرة، فنحن ندرس تواريخ الدول والملوك والشعوب لنتعلم، وندرس سير الانبياء لنأنس بهم، وندرس تجارب الامم ونرى ما وقعت فيه من الأخطاء لننجو بأنفسنا من المزلات ومواطن الضرر.
-2-
عندما نطلق هذا المصطلح ” التاريخ ” عربيا هل نعني به تلك الدلالة التي تشير الى علم التدوين، أو نعني به تلك العملية التي تحيط بشعاب الأحداث والقضايا التي عاشها الانسان في فترة معينة، برؤية ومنهاج ومعارف معينة خلال هذه الفترة، التي جعلت / تجعل من التاريخ علما وفلسفة ومنهاجا مطبوعا بالتطور الزمني وموجها بإحداثه وصراعاته وقضاياه.
1/- جاء في دائرة معارف محمد فريد وجدي قوله :” فالتاريخ هو من أجل العلوم الانسانية وادعاها للعناية، فيه يعرف الانسان مكانه من السلسلة الانسانية ومكان امته من الهيئة الاجتماعية (العالمية المستمرة) ولو كانت فائدته تنحصر في هذه المعرفة لسهل الاستغناء عنه ولكنه فوق ذلك هو محل العبر ومثار العظات ومصدر العلم والسنن الالهية في تكوين الامم وحلها واصعادها واهباطها، وعلم هذا شأنه جدير بأن يجعل في مقدمة العلوم اعتبارا وفي صدرها اكبارا”.
2/- اما عند صاحب كتاب “العبر وديوان المبتدا والخير في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” العلامة عبد الرحمان ابن خلدون، التاريخ هو تدوين حياة الانسان ليس فقط فيما ينجزه في
حياته من منجزات وقضايا، ولكن كل ما يصدر عنه في فكره وعقيدته واعرافه وتقاليده وفي عمرانه وسياساته وسلامه وحروبه.بل وفي باطله وحقائقه (1) وهو ما جعل/ يجعل التاريخ أبا لكل العلوم والفنون والآداب واللغات والتقنيات وغيرها من سائر ما يعيشه الانسان ويتخيله ويمارسه في واقعه وذهنه (2(.
3/- وعند العلامة محمد عبد الرحمان السخاري، صاحب كتاب :” الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ” ان موضوع هذا العلم / التاريخ، هو الانسان وزمانه ومسائله وأحواله المفضلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة في المكان والزمان، وفائدة التاريخ في نظر السخاري، هي معرفة الامور على وجهها.
4/- وعند العلامة أبو الحسن على المسعودي، التاريخ علم يستمتع به العالم والجاهل، موقعه الاحمق والعاقل، فكل غريبة منه تعرف وكل أعجوبة منه تستطرف، ومكارم الأخلاق ومعاليها منه تقتبس، وآداب سياسة الملوك وغيرها منه تلتمس،يجمع لك الاول والآخر والناقص والوافر والبادي والحاضر والموجود والغابر وعليه مدار كثير من الأحكام وبه يتزين في كل محفل ومقام وأنه جملة على التصنيف، فيه وفي أخبار العالم محبة احتذاء المشاكلة التي قصدها العلماء وقفاها الحكماء وان يبقى في العالم ذكرا محمودا وعلما منظوما عتيدا” .
التاريخ بالنسبة للعلامة المسعودي، هو معلم البشرية الحكمة والادب ومعرفة الماضي والحاضر، فهو النبع الذي يرتشف فيه الحكماء ما يغذي روحهم في الحكمة وفلسفة الحياة.
5/- ويرى صاحب كتاب دروس الفلسفة، المفكر اللبناني جميل صليبا ان التاريخ معلم الحياة، والاستاذ الأول للانسان، يزيدنا خبرة وحنكة، ويعلمنا كيف نربط النتائج بالأسباب، ونقيس الحاضر على الماضي، ونبني المستقبل على الحاضر.
6/- ولصاحب كتاب ” قيمة التاريخ” للمفكر الالماني جوزيف هورس، التاريخ هو حاصل الممكنات التي تحققت، والتاريخ هو مصدر العبر في الحياة.
7/-أما بالنسبة لصاحب كتاب علم التاريخ هو نشو، التاريخ مدرسة لتعليم طريقة البحث، نتعلم منه الحذر واستقلال الرأي وسماحة الطبع.
-3-
بذلك نجد مصطلح التاريخ، مشتقا من المفاهيم الاكاديمية، شرقية وغربية، ولكنه يكاد يكون معتادا في قاموسنا اليومي، نستعمله في أغراض مختلفة، ونوظفه في مجالات مختلفة، ونتكئ عليه في أحاديثنا كما في تقاليدنا وفنوننا الشعبية، مصطلح يرافقنا في الوثائق الرسمية، وفي ذكرياتنا العائلية وفي كل مساراتنا الحياتية، يتحرك معنا من الميلاد الى الموت.
وفي المفاهيم الادبية والسياسية والعلمية، التاريخ بحر واسع من الاحداث والمعارك والبطولات، ومن المعطيات والمعلومات والاشارات التي سجلها الاثر الانساني، خلال وجودها على سطح الارض.
على مدى عقود وقرون، أثارمصطلح التاريخ، تساؤلات عديدة وافتراضات متنوعة، وآراء ذات اتجاهات شتى في تفسير الحياة وسيرها وغايتها، تساءل فيها الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين، بل تساءل الانسان باستمرار عن منبع هذا النهر الجاري منذ الازل، الذي نسميه التاريخ.
وفي المفاهيم الفلسفية، التاريخ هو مسار واحد، حياة، فموت، فحياة، يسير على شكل دوائر، لكل واحدة فتحة تطل / تؤدي الى فتحة / دائرة اخرى، وهو ما يجعل الحضارات لا تموت قبل ظهور حضارات أخرى جديدة… وهو مجموعة من الاحداث والمصادفات، قد لا يكون لها أي رابط ولا قانون تسير وفقه، ولكنها مع ذلك تلتقي في ” التاريخ” حتى ولو كانت زئبقية الملامح، ولا يمكن ادراكها بيسر وسهولة.
وفي نظر المؤرخين، التاريخ هو تاريخان، الأول معاصر حي، متحرك، والثاني ميت، يعتمد على أخبار الماضي، التي غالبا ما تكون مبثورة من احد جوانبها.
-4-
والتاريخ،قبل ذلك وبعده، هو أحد العلوم الانسانية التي استأثرت بالعرب، في ماضيهم كما في حاضرهم…الاجيال العربية السابقة، رأت في التاريخ وسيلة علمية للعبرة في الحياة وفوائد عديدة في التربية والاخلاق، ورأت فيه الاجيال العربية اللاحقة، مصدرا للمعرفة والاستدلال وشحذ الافكار.
التاريخ هو العبرة، “هو مصدر الحكم والعبر، منه يتعلم الانسان ما جربه غيره” (عبد الرحمان ابن خلدون)، وهو ” مدرسة للبشرية ” كل غريبة منه تعرف، وكل أعجوبة منه تستطرف، مكارم الأخلاق ومعاليها منه تقتبس وآداب سياسية الملوك وغيرها منه تلتمس، وعليه مدار كثير من الاحكام وبه يتزين في كل محفل ومقام” (المسعودي(.
والتاريخ هو ” مصدر للعظة والعبرة التي تفيد الحياة العملية الحاضرة من تجارب الماضي من ملوك وأنبياء وحضارات سالفة، لتكون منارة لنا في طريق الحياة “(الدكتور حسن مؤنس)، و” فيه يعرف الانسان مكانه في السلسلة الانسانية، ومكان امته من الهيئة الاجتماعية العالمية المستمرة” (محمد فريد وجدي)، وهو ” يزيدنا خبرة وحنكة، ويعلمنا كيف نربط النتائج بالاسباب، ونقيس الحاضر على الماضي ونبني المستقبل على الحاضر” (جميل صليبا(.
-5-
في اطار هذه المفاهيم التي نحتها العقل الثقافي العربي، عبر عدة عصور لعلم التاريخ، اثيرت في العهود السالفة وحتى الآن، قضايا فلسفية تتصل جميعها بعلاقة التاريخ بالحياة المعاصرة، حيث ظهرت نظريات ودراسات جديدة، يربط بعضها التاريخ بالفلسفة والاقتصاد المادي، ويربط بعضها الآخر التاريخ بعلم الاجتماع وعلم السياسة، على اعتبار ان التاريخ هو تطوير مستمر نحو الأعلى، يجب استقطاب كل العلوم التي تساعد على تفسير واستقراء أحداثه وحوادثه.
وخارج هذه الفاعلية برزت نظريات جديدة ومغايرة في الغرب، تقول بلا جدوى، التاريخ…وتسأل : ماذا ينفع البشرية التواقة الى مستقبلها من رجوعها الى التاريخ، في عصر تسيطر عليه الهواجس والافكار والاديولوجيات والاختراعات المستقبلية…؟.
الفيلسوف “هيجل” يرى ان الشعوب والحكومات لن تتعلم شيئا من التاريخ ولم تأخذ أي عبرة من أحداثه وحوادثه، ذلك لأن الأخطاء تتكرر في الحياة البشرية رغم معرفتها بها. ويرى أن الحكام يدركون أكثر من غيرهم، من خلال تاريخ الامم والشعوب، أن الحكم الديكتاتوري زائل لا محالة، وأن الظلم نهايته الفشل باستمرار، ومع ذلك يعودون الى الديكتاتورية والى نظمها الظالمة.
ويرى زميله الفيلسوف ” نيتشه ” ان الالتفات الى الماضي يحرم البشرية من التمتع يحياتها الحاضرة ويشل فاعليتها ويمنعها من الخلق والابداع.
ويذهب الفيلسوف ” كارل هاينمبرغ بيكر” ابعد من ذلك، حيث يرى ان كل انسان مؤرخ نفسه، وأن لكل حادث في حياة الانسان صفة خالصة، ولا علاقة لأي حادث بالآخر. فكل حادث هو كيان خالص ومستقل عن غيره، وأن الأحداث التاريخية في غاية التعقيد والتركيب والاشتباك بحيث يصعب جدا استخلاص العلاقات الثابتة بين مجموعات منها، كما هي الحال في الظواهر الفيزيائية، وهو ما يجعل من الصعب على المؤرخ أن يقرر روابط ثابتة بين الاحداث التاريخية، كما يجعل المتلقي في ارتباك من أمره تجاه الماضي.
ومن هنا فلا يمكن ان يكون لاي بلد وللعالم كله تاريخ واحد بل تواريخ متعددة ومعنى هذا ان عملية اعادة كتابة التاريخ ينبغي ان تكون متجددة ومسايرة للتطور الفكري والحضاري مع ارتكاز الى التواصل ومسألة الاقتراب والابتعاد في التواريخ المشتركة بنسبة التطور الطبقي الحاصل في مرحلة معينة في مناطق متعددة من العالم .فالانسان في تفاعله مع التاريخ موجه وحركة التاريخ الوحيدة التي لا جدال فيها هي حركة النشوء والارتقاء ذلك هو اتجاهه وتلك هي غايته.
والحقيقة انه مهما كانت الحوادث لا تكرر نفسها وكل حادثة هي بحد ذاتها مستقلة وان استقلالها لا يعني انها لم تكن ذاتها من اسباب اخرى تعود في أصالتها الى التاريخ.
فالتاريخ ليس قفزات متتالية في الهواء بل هو تجديدات للوقائع وتصحيحات وصلت اليوم الى درجة عالية من التقدم بالنسبة للماضي، فليس هناك شيء ماض تماما بل ماض نسبي لان الرجل فلانا هو ذاته الطفل في مرحلة معينة وكذلك هو الامر بالنسبة للمجتمعات.
وفي نظر العديد من العلماء والباحثين المختصين، ان التاريخ لا يمدنا بحلول جاهزة لأنه لايعيد نفسه، الا أنه لا محال يعيننا اعانة جذرية على فهم واقعنا بل أنه لا فهم لهذا الواقع بدون العودة الى التاريخ والفهم الصحيح شرط اساسي لالتماس الحل الناجح.
وحتى هيجل فانه يؤمن بضرورة الالمام بالتاريخ لذا فيقول :” اما من لم يكن بالعلم الذي يشتمل على هذه التصورات الاولية المجردة فانه حتى لو ظل يحدق في القبة السماوية طوال حياته سيظل عاجزا عن فهم تلك القوانين بقدر ما هو عاجز عن اكتشافها”.
يعني ذلك هيجل يعترف بشكل واضح واكيد انه لابد للانسان من العودة الى الماضي – التاريخ لاخذ العبر وصياغته في النتجية في نظرية تطوير حركة التاريخ. ضمن وجهة نظره يراها ويعتقد انها هي المسار الصحيح للتاريخ وللحياة وهذا في الحقيقة يعود الى تفهم كل شخص للحقائق والوقائع، ومن خلال المنظار الشخصي الذي كون هذه الشخصية والعوامل المتعددة التي دعت هذا الشخص الى هذه الرؤيا.
-6-
الغريب في الامرن ان الدعاوي التي تقول، لا يمكن اتخاذ أي عبرة من التاريخ، ولا فائدة منه، ظلت على اتساعها منعزلة وضعيفة في ساحة المعرفة…اذ مازال البحث الاكاديمي، يعتبر أن التاريخ ليس اخبارا مجردة، ولا قفزات متتالية في الهواء…وأنه أحد العلوم المتجددة، وأن التاريخ حتى وان كان لا يعيد نفسه، ولا يمدنا بحلول جاهزة لمشاكلنا وقضايانا الراهنة، فإنه لا محال يعنينا على فهم واقعنا، وعلى فهم الآليات التي من شأنها تطوير هذا الواقع…
بالنسبة للبلاد العربية، التي يرصد تاريخها بكثافة حياة الحاكمين واحوالهم وقضاياهم وصراعاتهم، في تهميش تام لتاريخ المحكومين، يبرز في افقها الثقافي سؤال حاد : كيف يمكن لهذه البلاد، التي تعيش عصرا بشريا متميزا بالتقدم العلمي والحضاري والتقنولوجي، أن تستفيد من تاريخها الماضي، لصالح تاريخها المستقبلي…؟
وحدهم الذين يشتغلون ب”التاريخ” يستطيعون الاجابة عن هذا السؤال الهام…ولكن متى يفعلون ذلك ؟
-7-
عربيا، سادت فكرة تفسير مصطلح التاريخ في اطار من القوانين والاشكال…وهو ما جعل المؤرخ العربي، امام امرين لا ثالث لهما، اما أن يتحدث ب ” الوثيقة” أو يتحدث عن ” الوثيقة”/ اما ان يأخذ بنظرية من النظريات العالمية، ليجد لها التدبير والتأييد لها في التاريخ، ويجعل بذلك من علم التاريخ خدمة لاغراض خارجة عنه، أو يحاول استقراء التاريخ للتواصل مع النتائج الحقيقية، بعيدا عن مفاهيم ورغبات السلطة…
ان هذه الوضعية، دفعت العديد من المثقفين العرب في نهاية القرن المنصرم، الى المطالبة بوضع أسس مدرسة عربية لفهم وكتابة التاريخ لسد الفراغ الذي ظل يشكو منه التاريخ العربي لفترة طويلة من الزمن.
————————————–
(1) الدكتور جلال الغازي / مستقبليات في علم التاريخ / مجلة مرايا مغربية
(2) الدكتور جلال الغازي / المرجع السابق

* صحافي مغربي، ومحلل سياسي