الرئيسية / وجهات نظر / نداء تونس وفيّ لإرادة ناخبيه بعدم التحالف مع النهضة
_368

نداء تونس وفيّ لإرادة ناخبيه بعدم التحالف مع النهضة

عندما أعلنت حركة نداء تونس، مؤخرا، على لسان عدد من قادتها أنّ فرضية التّحالف مع حركة النهضة الإسلامية ليست مطروحة ولا يمكن أن تجد لها مُبرّرا في الواقع، لعدّة أسباب أهمها خسارة هذه الأخيرة لزخمها الانتخابي وفقدانها لثقة أغلب التّونسيين في الانتخابات التشريعية الماضية بعد فشلها طيلة السنوات الثلاث الماضية في الحكم، شكّك المحللون في فحوى تلك التصريحات، وحاولوا تنزيلها في إطار ضغط النداء على النهضة من أجل توجيه قواعدها نحو التصويت لصالح الباجي قائد السبسي في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.
لكنّ هذه “التحليلات”، يراها آخرون مبنيّة على “إضمار سوء النيّة”، الذي يقود رأسا إلى التشكيك في وضوح رؤية النداء التي أعلن عنها قياديُّوه، وعلى رأسهم الباجي قائد السبسي، منذ تشكيله. عندما قالوا إنهم عمدوا إلى تأسيس حزب حداثي قادر على خلق التوازن في المشهد السياسي والوقوف أمام “تغوّل” حركة النهضة، ومحاولاتها الجليّة للسيطرة على مفاصل الدولة التونسية قصد “أخونتها” وضرب الهوية الحداثية التي اكتسبها التونسيّون على مدى العقود الستّة التي تلت استقلال بلادهم.
رؤيتان متناقضتان تختلفان من حيث المنطلقات والغايات، غير أنهما تتفقان في أنّ تفنيد إحداهما للأخرى لن يطول به الزمن ولن يتجاوز سقف الإعلان النهائي عن الأسماء التي ستتولى الإشراف على قيادة المرحلة القادمة (رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب) ورئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من قبل الشعب.
اليوم، أضحت الصورة أقلّ ضبابية وبدأت ملامح الفترة القادمة تتضح تدريجيا، بعد أن تمّ، أمس الخميس، انتخاب محمد الناصر، عضو مجلس الشعب ونائب رئيس حزب النداء، من قبل النواب الآخرين كي يتولّى رئاسة البرلمان للفترة النيابية القادمة، التي ستمتدّ على خمس سنوات، لتسقط معها من ثمّة أولى حجرات “الدومينو” التي شكّل على أساسها أصحاب الموقف الأوّل تخميناتهم وتحليلاتهم، وتظهر من ثمة أولى حلقات النسق السياسي الذي سيسير عليه النداء في تشكيل المشهد السياسي القادم.
تخمينات قادت أصحابها إلى صياغة فرضية، تجلّت في “مخيّلاتهم”، ومن خلال طُروحاتهم، كـ”حقيقة ثابتة” مفادها أنّ النداء سيهبُ رئاسة البرلمان إلى النهضة في إطار ذات المقايضة (على رئاسة الجمهورية) التي تعدّدت فصولها في تحليلاتهم؛ من ضغط النداء عبر نفي إمكانية التحالف في مرحلة أولى، إلى لعبه ورقة رئاسة البرلمان لتطمين الإسلاميين (ضمانا لفوز السبسي في الرئاسية) في مرحلة ثانية، إلى التحالف المعلن في إطار حكومة تجمع الطرفين في مرحلة أخيرة.
ولئن بدت هذه الخطوات مبرّرة لدى أصحابها وتجد إطارا موضوعيا وفق رؤيتهم الضيقة للأمور، فإنّها أسقطت من متنها، في نظر أصحاب الموقف الثاني، ركيزة عقلانية واقعية كبرى لا تستقيم النتائج من دونها، وأساسها أنّ نداء تونس قد اعتبر من دروس الماضي القريب التي صاغها تحالف حزبين علمانيين (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات) مع حركة النهضة الإسلامية، وما جناه عليهما ذلك في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أخرجتهما نتائجها من أصغر الأبواب التي يمكن أن تخرج منها أحزاب خذلت إرادة ناخبيها الذين أرادوها أن تقف صدّا للمشروع “الدخيل” (الإخواني) الذي يهدد نمط عيشهم ومعيشتهم، واختارت أن تكون “ديكورا” يضفي شرعية على حكم الإسلاميين الذي فقد شرعيته الأخلاقية والسياسية مع أول اغتيال سياسي (لم يعتده التونسيون) وقع في فترتهم.
هذا الوعي اتسمت به تصريحات قادة نداء تونس منذ تأسيسهم لحزب علماني مناقض لمشاريع الإسلام السياسي بكل تفصيلاتها وتلويناتها، ولم تؤشر أية معطيات على تغيره أو تبدّل مســاره حدّ الآن.
وإذا وقع التسلــيم بــأنّ خطوة احتفاظ النداء برئاسة البرلمان لأحد من قيادييه تتنزل في إطار هذا الوعي، فهي بالضرورة تعدّ خطوة طبيعية ومعقولة تدلّ على وضوح في الرؤية السياسية للنداء، الذي يبدو أنه قرّر حسم المسألة في كنف الوضوح التام، من خلال قطع الطريق أمام “تهيُّؤات” الباحثين، بكلّ السبل والطرائق، عن موقع لحركة النهضة في المشهد الجديد، يحفظ لها ماء الوجه بعد هزيمة أولى مُنيت بها في التشريعية، وهزيمة محتملة ثانية للمنصف المرزوقي المرشح الرئاسي الآخر الذي مرّ رفقة قائد السبسي إلى الدور الثاني، والذي دعمته “تحت الطاولة”، دون أن تعلن صراحة عن ذلك، في مناورة سياسية منها تقوم على ازدواجية الخطاب، التي يعلم جل المتابعين أنها ليست بغريبة عن سلوكات تنظيم الإخوان المسلمين، الذي تُحسب عليه النهضة.
الثّابت الآن، أنّ السياسة في تونس انتقلت من مقولة “فنّ الممكن” إلى الإعلان عن نسق “اللاّممكن”، ونسق “اللاّممكن” هنا (مع إنهاء الجدل حول رئاسة البرلمان)، أعلن أنّه لا يحتمل قيام تحالف بين النهضة (حكّام الأمس الذين لفظتهم إرادة معظم التونسيين) والنداء (الذي انتخبه أغلب التونسيّين ليصدّ مشاريع حكّام الأمس). ولا مناص أنّ تشكيل الحكومة القادمة سيسير وفق هذا الهدي الذي سنته إرادة الناخبين الذين منحوا ثقتهم لنداء تونس على أساس أنه الحزب الأقدر على ردّ “المشروع الإخواني المتربّص” الذي يهدد مسار تونس الحداثيّة.

* كاتب صحفي تونسي/ “العرب”