الرئيسية / وجهات نظر / “البوليساريو”.. من “القاعدة ” إلى “داعش”
unnamed

“البوليساريو”.. من “القاعدة ” إلى “داعش”

تقف الدولة المغربية على أعتاب مرحلة جديدة في أزمتها “الصحراوية”، إذ أن إعادة مسألة “الصحراء” للواجهة مرة أخرى وتأزمها في المشهد السياسي بصورتها الأخيرة، جاءت كنتاج طبيعي لمخاضات السياق العام الذي يلتف بالمنطقة العربية والشرق الأوسط، منذ موجات الربيع العربي وحتى اللحظة، ساهم فيه بقوة صعود حالة الإسلام الراديكالي أو الجهادي في المنطقة بشكل بارز، ممثلا في الدولة الإسلامية بالعراق والشام أو ما تعارف عليه بـ”داعش” وما يمثله من ارتدادات على الحالة الجهادية في منطقة المغرب العربي خاصة “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامى” وأخواتها.
عبرت عنه بدقة حالة الاستنفار الأمني التي شهدها الداخل المغربي مؤخرًا، عادت بنا إلى مشاهدات الأيام التي تلت تفجيرات الدار البيضاء (2003 / 2004) وتداعياتها آنذاك، ترجم إلى كم كبير من التشكيلات العسكرية تمخضت عنها قوات “حذر” المكونة من أفراد من الجيش والشرطة، إضافة إلى قوات من الدرك الملكي وقوات مكافحة الإرهاب التي افترشت الشوارع والطرقات وتكاثفت بقوة في المطارات ومحطات القطار والتجمعات الحكومية والأماكن الأثرية والسياحية في شتى محافظات المملكة، من طنجة شمالا إلى الجويرة جنوبًا.
ثم جاءت كلمات العاهل المغربي محمد السادس في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى الـ39 لما يسمى بـ”المسيرة الخضراء” متناولة التحديات التي تواجه المملكة لتؤكد تموضع ملف الصحراء على رأس هذه التحديات. ومشددًا في الوقت نفسه على تمسكه بوحدة الصحراء وهويته المغربية ، فيما اعتبرت كلمته أن الصحراء في المغرب -*إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- رسالة شديدة اللهجة لـ”البوليساريو”، سعت بشكل غير مباشر إلى الربط بين النزعات الاستقلالية داخل الصحراء والتهديدات الإرهابية التي تواجه الدولة في اللحظة الراهنة .
على الضفة الأخرى سارعت قيادة البوليساريو إلى التنديد بتصريحات الملك المغربي والقيادة السياسية آنذاك، فيما اعتبرته بمثابة إشارة البدء لمرحلة جديدة في صراعهما مع السلطة والملك، خاصة بعد دخول أطراف أجنبية في الصراع وتزكيته من الخارج، عبرت عنه تهديدات محمد سالم ولد السالك، المسئول عن العلاقات الخارجية بالجبهة ذاتها من إمكانية العودة إلى الخيار العسكري أو ما أطلق عليه بـ”الكفاح المسلح”.
ما يعني بدقة أننا على مشارف مرحلة من العنف المسلح موجها إلى الدولة المغربية من قبل “البوليساريو” في المستقبل القريب، يعكس بقدر كبير حجم التحولات الإيديولوجية التي شهدتها “البوليساريو” في العقد الأخير، ما دفعها إلى أن تعيد استراتيجيتها في التعامل مع الدولة المغربية، عززه دخول التنظيمات الجهادية والراديكالية الإسلامية على الخط معها منذ وقت قريب عبر أطر براجماتية لتقاطع أهدافهما المشتركة.
يسعى هذا التقرير الى تسليط الضوء على التحولات التي شهدتها البوليساريو وتطورات أزمة الصحراء مع الجانب المغربي وما يمكن أن تمثله من تهديدات في المستقبل القريب والأطوار التكوينية للحركة الانفصالية بعد دعشنتها في مشهدها الأخير.
وسيرها بشكل متوازٍ مع التنظيمات الجهادية والراديكالية في المغرب العربي.

تحولات البوليساريو

تعد الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب وزعيمها الحالي محمد عبد العزيز. المعروفة باسم البوليساريو (Polisario) أهم حركة انفصالية في تاريخ المغرب العربي الحديث والمعاصر، نظرًا لأهدافها الرامية إلى للانفصال عن المملكة المغربية وتأسيس ما يسمى بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” منذ انطلاقتها في 10 مايو 1973 .
كانت على مدار العقود السابقة بمثابة “شوكة الغرب” تحديدًا أسبانيا، في خاصرة المغرب العربي عامة والمملكة المغربية خاصة.
وشهدت العلاقات المغربية مع البوليساريو حالات من الشد والجذب والسجال المتقطع، فيما لعب الغرب دورًا كبيرًا في تزكية هذا السجال والتعميق من أزمته، فيما سعت منظمة الأمم المتحدة إلى إعطاء أهل الصحراء الحق في تقرير مصيره، وتقف الدولة المغربية أمام ذلك بقوة، معتبرة الصحراء جزءًا أصيلًا من التراب المغربي ما دفعها الى احتواء الأزمة وتقديم البديل عبر مقترح “نظام الحكم الذاتي للصحراويين”، الأمر الذي رفضته البوليساريو بشدة ولازالت نتيجة الدعم الغربي لها المتواصل.ومنذ مخاضاتها عقب الاستعمار وانسحابه لازالت الأزمة الصحراوية مثار شد وجذب بين الجانبين الجزائري والمغربي وتشهد على فترات متقطعة سجالا كلاميا يتبعه تأهب عسكري بين الفينة والأخرى.
وكلما ساءت العلاقة بين الجانبين تلقى بظلالها السلبية عليها دوما، ويذكر عبدالرحمن بن عطاء الله الأكاديمي الجزائري أن الطرف الموريتاني كان دائما إلى جانب الجزائر، خاصة في العشر سنوات الأخيرة في الموقف من أزمة الصحراء.
ما نتج عنه تدهور في العلاقة بين الجانبين الموريتاني ونظيره المغرب، ما أسفر عنه تعطل في تنصيب السفير المغربي في نواكشوط لسنوات عدة، مما دفع الجانب الموريتاني على محطات متقطعة إلى أن يلجأ إلى الحياد، تجنبا لهذه الإشكاليات التي تلقى أزمة الصحراء بظلالها على الجميع .
مؤخرًا.. ومع اشتعال الأزمة مجددًا بين الجانبين تحدثت جملة من التقارير عن تحولات جديرة بالاهتمام وتسليط الضوء عليها شهدتها البوليساريو خاصة خلال العقد الأخير تناولت ثمة تقارب بينها وبين التنظيمات الإسلامية الجهادية، التي باتت تتقاسم معها الأهداف رغم اختلاف الأيديولوجيات وتعارض الآليات، بدأت مؤشراته مع صعود القاعدة وتنظيمها بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وإفرازاتهما في المشهد المغاربي.
تحديدًا في “القاعدة في بلاد المغرب العربي” والتوحيد والجهاد وغيرهما، وتزامنا مع انطلاقة الربيع الجهادي الذي يجتاح المنطقة وظهور ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” وانصياع الكيانات الجهادية القاعدية لها وإعلانها التام لها ومبايعتها.
كثر اللغط حول وجود علاقات مباشرة بين البوليساريو والكيانات الجهادية الأخرى، التي تتأرجح بين الولاء للقاعدة وداعش.

البوليساريو والقاعدة

مثلت العلاقة بين الوليساريو وتنظيم القاعدة محور اهتمام الباحثين الغربيين، ويشهد لهم أنهم أول من دق ناقوس الخطر لهذه العلاقة ذات الطبيعة الخاصة بين البوليساريو من جهة والتنظيمات الجهادية، التي تسودها البراجماتية في شتى مناحيها من جهة أخرى.
لعل ما كشف عنه “إيغناسيو سمبريرو” الصحفي الأسباني المتخصص في قضايا المغرب، من حالة من التخبط والارتباك التي تحياها البوليساريو. نتيجة قلة الموارد المالية المتاحة لها، خاصة داخل مخيمات اللاجئين، لانخفاض المساعدات الإنسانية وما شابه، عدت كعامل رئيس في البحث من قبلها -أي البوليساريو- عن مورد مالى جديد، أو بديل -بعد عزوف الداعمين الغربيين القدامى وشح مساعداتهم خاصة المالية منها- فكان البديل السريع والناجز هو “التنظيمات والتيارات الجهادية” التي لديها وفرة في الموارد المالية.. كالقاعدة وأخواتها.
ما دفع نحو التأكيد على حجية هذه التحولات الدائرة داخل التنظيم الانفصالي “البوليساريو” صوب القاعدة والجماعات الجهادية، دراسة حديثة لمجموعة التفكير الأمريكية (أطلانتيك كاونسل) حذرت خلالها مما أطلقت عليه تحالفا سريا بين البوليساريو والقاعدة، فيما يعرف بأدبياتها بـ”بلاد المغرب الإسلامي”، والتي اشتهرت بخطف المواطنين الأجانب والبعث بهم إلى الصحراء وتحديدًا داخل مخيمات “تندوف” الشهيرة.في موازاة ذلك وبعد وضع اليابان جبهة البوليساريو ضمن لائحة المنظمات الإرهابية التي تهدد الأمن القومي الياباني، وذلك عام 2011، باتت منطقة الصحراء تحت المنظار الياباني ومجهره، حتى أصدرت وكالة استخبارات الأمن العام اليابانية التابعة لوزارة العدل تقريرها السنوي الأخير لعام 2014، حول وضعية الإرهاب في العالم، ليضع التقرير للمرة الثالثة على التوالي مخيمات “تندوف” كمنطقة غير آمنة بعد عدد من الاختطافات التي حدثت بالمخيمات، خاصة اختطاف عاملين بمنظمات إنسانية بالمخيمات التي تشرف عليها الجبهة.
وتناول التقرير هذه العلاقة الجديدة تحولات البوليساريو التي دفعت للالتحام مع التيارات الجهادية والتي يقصد بها القاعدة بسبب تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية هناك وتحديدا “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.
تدفع هذه التحليلات بقوة الى التأكيد على أن هناك ثمة تحولات بنيوية شهدتها “البوليساريو” إما بدافع العوز للدعم المالى أو البحث عن شريك في المواجهة مع الدولة المغربية بشكل خاص من أجل الحصول على الاستقلال بعد فشل الشريك الأجنبي الغربي وعدم الثقة في جدوى هذه الشراكة، فكان التوجه صوب التيارات الإسلامية الجهادية التي تتقاطع معها في عدد من الأهداف. على رأسها تهديد الدولة المغربية. للحصول على مكتسبات مادية وسياسية.
ما يمكن قوله بشكل دقيق: إن البوليساريو تحولت من جماعة انفصالية مستقلة وتنظيم دولي – يسعى للانفصال بإقليم الصحراء – إلى جماعات وظيفية -إن جاز القول- في أيدي التيارات الجهادية الراديكالية التي باتت تملك الموارد الكافية من المال والسلاح. المتدفقة عليهم من كل مكان سواء كان من الداعمين المباشرين أو المتعاطفين معهم، ساهمت بقدر كبير في -في ظل هذا البيئة الخصبة- توظيف البائسين والمحبطين داخل الصحراء الذين ينشدون وضعا ماليا وصحيا يخالف واقعهم الذي بات مريرًا.
نتيجة ضعف القيادة البوليسارية في الوصول إلى رؤية تتسق مع آليات الواقع المتغيرة والمتبدلة. خاصة مع الجانب المغربي فضلا عن الدور الذي تلعبه أسبانيا والغرب بهذه الورقة، دون أن يكون له مقابل أو ثمن يعود عليهم بالنفع. وهو ما أكد عليه جو غريبوسكي، الخبير في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب أن مخيمات تندوف أصبحت مجالا خصبا لاستقطاب المقاتلين إلى صفوف تنظيم القاعدة.
يعطى ذلك تفسيرا دقيقا لكيفية نجاح القاعدة والتنظيمات الجهادية هناك المتعددة أسماؤها في عمليات الخطف لعدد كبير من السائحين خاصة من الفرنسيين، والتي لم تتم إلا بمساعدة الصحراويين من البوليساريو والتي كشفت تقارير أخيره بأنها أحد أدوات الدعم المادى التي تمثل شريان الحياة الرئيس لهذه التنظيمات والتي حققت خلالها أرقاما قياسية دفع بها إلى أن يمثل الصحراويون وسطاء بين تلك التيارات الجهادية واستخبارات دول غربية لدفع الفدية وما شابه.
إذ أن اختطاف الرهائن الأوروبيين لقاء الفدية من الأعمال المربحة لتنظيم القاعدة التي دأبت عليها منذ تواجدها في الصحراء عقب أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 .
وفي تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» كشف عن كون تنظيم القاعدة وفروعه المباشرة قد جنوا أرباحا تقدر بـ125 مليون دولار على أدنى تقدير من إيرادات عمليات الاختطاف منذ عام 2008، منها 66 مليون دولار قد سددت خلال العام الماضي فقط. ورصدت وزارة الخزانة الأمريكية مبالغ الفدية، بمجموعها، لتصل إلى مبلغ وقدره 165 مليون دولار خلال ذات الفترة.
وتذكر الصحيفة ذاتها نقلا عن ديفيد كوهين، وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، في خطاب له في عام 2012 ان الاختطاف لقاء الفدية من أهم مصادر تمويل الإرهاب في الوقت الحاضر. فكل معاملة تشجع تنفيذ معاملة أخرى.
الآن اللغز الذى لم يتطرق إليه أحد أو يتناوله بشكل دقيق هو أنه لولا البوليساريو ما كانت نجاحات القاعدة وهو الأعلم بدروب الصحراء المتعرجة والوعرة.

البوليساريو وداعش

مثّل صعود الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” رقمًا صعبًا في الحالة الجهادية العالمية، بعد أن تحول حلم الخلافة الإسلامية إلى حقيقة واقعية على الأرض، وأصبح هناك خليفة ودولة، وهى أداة الجذب الرئيسية التي تسعى “داعش” لتوظيفها لجلب أنصار وأتباع جدد أو اجتزاء أفراد وتيارات من تنظيمات أقدم وأسبق على تجربتها الجديدة في الهيكل الجهادي العالمي، وهو ما حدث بالفعل مع التنظيمات التي تدين بالولاء الفكري، وأحيانا التنظيمي مع القاعدة.
ما ألقى بظلاله على المشهد الجهادي المغاربي ككل وخاصة في الصحراء. بدأت مع حركة “التوحيد والجهاد”، في غرب أفريقيا والتي أعلنت عن مبايعتها للخليفة “أبي بكر البغدادي” وتبعيتها للدولة الإسلامية في العراق والشام واعتبار مدينة “غاو” في دولة مالي إحدى ولايات دولة الخلافة الصاعدة.
عكس بشكل كبير حجم التحول الذي حدث لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، الذي كان حمادو ولد خيري “الموريتاني” الأصل والمكنى بأبي القعقاع أحد أهم كوادره قبل أن يتحول إلى مسئول الإفتاء في حركة التوحيد والجهاد، ثم الانطلاق نحو التبعية المباشرة والمبايعة التامة للبغدادي، ليدخل هو والحركة مرحلة الدعشنة المباشرة.
في موازاة ذلك.. أضحت المساجد داخل مخيمات اللاجئين الصحراويين منابر دعوية جهادية تقوم على التعبئة المباشرة صوب دولة الخلافة بعد أن هيأت القاعدة قبل تحولات بعض المنتسبين لها مؤخرا صوب داعش. الأرضية المناسبة لها. وباتت المقاطع المرئية المسجلة لانتصارات “داعش” أداة ترويج مهمة للدولة الإسلامية.
ما دفع دولة الجزائر إلى التخوف من تأثير ذلك على ولاياتها الجنوبية وبدأت من ولاية” أدرار” التي سارعت إلى الدفع بالوجهاء والرموز الصوفية للحول دون توغل الفكر الداعشي من الحدود الصحراوية.
وهو ما يعني أن بقية التنظيمات الجهادية التي تعيش على التخوم في طريقها إلى الانقياد خلف الخليفة البغدادي متأبطة معها الحيارى والمهمشين من مخيمات البوليساريو، مما يزيد عمق العلاقة بين البوليساريو والتنظيمات الجهادية هناك.
فيما بدا أن البوليساريو تراهن بشكل كبير على قدرة الدولة الإسلامية في دعمها والتعامل معها بشكل براجماتي في تحقيق أهدافهما، فهي أكثر قوة ومكانة من القاعدة. لما بينهما من قواسم مشتركة في الأهداف والآليات وإن اختلفت المضامين.
تضع البوليساريو نصب أعينها هذا التحول الذي سيسند ويوكل لها مهمات خاصة في المستقبل القريب ويضعها على أجندة المهمات الرئيسة للدولة لكونها عراب داعش الجديد في الصحراء من جهة ومالك مفاتيحها وأسرارها من جهة أخرى، ويمكن أن يتصاعد دورها الوظيفي إلى حد كبير. خاصة مع تربص الدواعش لحالة الاحتقان بين الجانبين الجزائري والمغربي، والتي تصب في مصالحهما سويا البوليساريو من جهة والدواعش الشراء الجدد من جهة أخرى.
يؤكد ذلك عبد الرحيم المنار السليمي الخبير في الدراسات الاستراتيجية والأمنية من كون الجماعات الجهادية على الحدود وتحديدًا تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، تحاول أن تستثمر حالة التوتر بين الجانبين المغربي والجزائري في توظيف المشهد لصالحها، لما سينتج عنه فراغات حدودية لنقاط مهمة وشائكة ستسعى التنظيمات الجهادية إلى ملئها وشغلها، بالتعاون مع البوليساريو.

*باحث مصري خبير في شؤون الحركات الاسلامية