الرئيسية / وجهات نظر / الاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال لا يلغي الحق بالمقاومة
IBRAHIM ABRACHE

الاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال لا يلغي الحق بالمقاومة

لأن السياسة لا تعرف الفراغ، يمكن تفهم أن ينشغل أهالي قطاع غزة والفصائل وحكومة التوافق الوطني بموضوع إعادة إعمار القطاع، وأن تستمر حركة حماس وبقية فصائل المقاومة بالحديث عن المقاومة والصواريخ والأنفاق والاستعداد للحرب القادمة الخ، وأن تنشغل القيادة الفلسطينية بالعمل الدبلوماسي الدولي في السعي نحو استصدار قرار دولي بإنهاء الاحتلال، والانضمام للمنظمات الدولية الخ.
لكن السياسة بالنسبة لشعب كالشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال، ليست فقط ملء فراغ، وليست فقط ممارسات أو انجازات معزولة هنا أو هناك، لهذا الحزب أو ذاك، بل هي تجميع وتحشيد لكل الجهود الدبلوماسية والنضالية في إطار استراتيجية وطنية، فلا السياسة والدبلوماسية تُغنيان عن المقاومة، ولا المقاومة تُغني عن السياسة والدبلوماسية، فكلاهما وجها عملة واحدة، كما يجب الحذر أن يكون إعمار قطاع غزة على حساب المقاومة كحق وممارسة، أو على حساب وحدة أراضي الدولة المنشودة.
مع افتراض نجاح مساعي القيادة الفلسطينية بالتصويت على القرار الفلسطيني بإنهاء الاحتلال والاعتراف بدولة فلسطين والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية وغيرها من المنظمات الدولية، فإن ذلك لن يؤدي إلى إنهاء الاحتلال مباشرة، وستبقى فلسطين والقدس تحت الاحتلال ولكن بمسمى دولة فلسطين المحتلة ! كما كانت دول العالم الثالث خاضعة للاحتلال وكونها كذلك لم يسقط حقها بمقاومة الاحتلال، أيضا فإن إعمار غزة لن ينهي واقع أنها أراضي محتلة، و الإعمار لن يؤدي بالضرورة لإنهاء الحصار، كما أن استمرار فصائل المقاومة في الحشد العسكري وفي وضع استراتيجية دفاعية لمواجهة أي عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، سيؤكد ويكرس الانقسام، لأن الفصائل الفلسطينية لم توجد للدفاع عن كيان غزة أو ممارسة الحكم فيه، بل لتحرير فلسطين والقدس في مقدمتها.
فهل هناك رؤية أو استراتيجية وطنية لمرحلة ما بعد ذلك ؟.
في الحالتين سنعود ونصطدم بالواقع المر، وهو أن فلسطين – الدولة والشعب – خاضعة للاحتلال. إن قرارا أمميا بالاعتراف بدولة فلسطينية وبإنهاء الاحتلال لن يردع إسرائيل عن مواصلة الاستيطان والتهويد،إلا إذا صدر القرار عن مجلس الامن بناء على المادة السابعة من الميثاق، وهو أمر مستبعد، فهناك عشرات القرارات الدولية التي لم تلتزم بها إسرائيل، كقرار التقسيم 181 لعام 1947 الذي يمنحنا وبإرادة دولية 46% من مساحة فلسطين، وليس 22% التي تطالب به منظمة التحرير اليوم، و قرار 194 حول عودة اللاجئين، وقرار مجلس الأمن 1515 لعام 2003 الذي يؤكد على حل الدولتين بالإضافة إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في لاهاي. أيضا سيستمر قطاع غزة تحت الاحتلال، والإعمار – إن تم – سيكون تحت إشراف الاحتلال وربما بشروطه، إن لم يكن ثمن إعمار القطاع ورفع الحصار عنه هو فصله نهائيا عن دولة فلسطين والمشروع الوطني.
إسرائيل لن تخرج من دولة فلسطين بقرار أممي فقط، بل سيحتاج الأمر لقوة تجبرها على ذلك. فالشرعية الدولية قد تمنح الفلسطينيين قرارا بالاعتراف بدولتهم، ولكنها لن تخوض الحرب مع إسرائيل نيابة عنهم لتصبح الدولة المستقلة حقيقة قائمة على الأرض وليس مجرد قرار على ورق. وحتى انضمام الدولة الفلسطينية للمنظمات الدولية ولمحكمة الجنايات الدولية لن يغير من الواقع شيئا كبيرا، ولا نعتقد أن محكمة الجنايات الدولية ستجر قادة إسرائيل للمعتقلات الدولية، حتى وإن صدر قرار من محكمة الجنايات بمتابعة قادة الحرب الإسرائيليين، فحبل المحاكم الدولية طويل وقد تستغرق إجراءات المحكمة سنوات طوال.
إذن ما بعد حصول الفلسطينيين على ما يريدون من الأمم المتحدة سنكون أمام خيارات ثلاثة :
1- إما العودة للمفاوضات مجددا، ولكن هذه المرة ما بين ممثلي دولة فلسطين الخاضعة للاحتلال وإسرائيل، وقد جربنا لعقدين من الزمن المفاوضات، ولا نعتقد أن مجرد تغيير المسمى من شعب خاضع للاحتلال إلى دولة خاضعة للاحتلال سيغير كثيرا من موازين القوى على طاولة المفاوضات وبالتالي من مخرجات المفاوضات، في ظل استمرار الانقسام، واستمرار نفس النخبة السياسية وارتباطاتها وخصوصا التنسيق الأمني مع إسرائيل.
2- الدخول في مواجهة مع الاحتلال، سواء أسميناها انتفاضة او مقاومة شعبية وحتى مسلحة إن تطلب الأمر في نهاية المطاف، متسلحين بالشرعية الدولية وبالتأييد الدولي الشعبي والرسمي لمطالبنا الواضحة والمعترف بها دوليا وهي إنهاء الاحتلال. ونذكر هنا أن ميثاق الامم المتحدة يعطي للدول الاعضاء المستقلة حق الدفاع عن النفس، فكيف الحال إن كانت الدولة العضو خاضعة للاحتلال ؟ !.
3- الجمع بين الأمرين وهو الشيء الصحيح، بمعنى العودة لطاولة المفاوضات والتمسك بخيار السلام على قاعدة الوضع القانوني الجديد، مع إطلاق يد الشعب ليمارس حقه في الدفاع عن نفسه ودولته، سواء اسمينا ذلك مقاومة أو انتفاضة الخ، المهم ان يكون هذا الحراك الشعبي في إطار استراتيجية وطنية توافقية. الاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال أو تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال، سيمنح شرعية إضافية للمقاومة الشعبية، كما أن المقاومة الشعبية ستتسلح بالموقف الدولي الجديد.
في جميع الحالات لا مناص عن المقاومة حتى تصبح الدولة حقيقة قائمة، ولكن ليس المقاومة الفصائلية والارتجالية وذات الأجندة الخارجية، بل مقاومة في إطار استراتيجية وطنية وتحت قيادة وطنية شرعية تمثل حالة توافق وطني، تحدد وسائل وأشكال المقاومة الشعبية، وقد تكون حالة الاستنفار الشعبي في القدس وعمليات طعن المستوطنين بداية لحالة عصيان ومقاومة شعبية، مما يستوجب العمل على توسيعها لكل الاراضي الفلسطينية بتواز مع العمل الدبلوماسي وجهود إنهاء الانقسام.
وكخلاصة نقول : إن الحراك الدولي للرئيس ولمنظمة التحرير يزعج إسرائيل، كما يزعجها صواريخ وأنفاق الفصائل في قطاع غزة، ولكن في الحالتين فالأمر بالنسبة لها قابل للاستيعاب والاحتواء ما دام التصرفان منفصلين عن بعضهما البعض، وما دام الشعب مغيبا وخارج دائرة العمل الميداني. ما يشكل خطرا وتهديدا حقيقيا لإسرائيل هو التواكب والتنسيق بين المقاومة والحراك الشعبي الشامل والعمل السياسي والدبلوماسي في إطار وحدة القيادة والموقف بعيدا عن الحسابات الفصائلية الضيقة التي شوهت المقاومة والانتفاضة قبل ذلك.

*عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة