الرئيسية / وجهات نظر / تونس.. هل تُجدّد لرئيسها «المؤقت»؟
محمد خروب

تونس.. هل تُجدّد لرئيسها «المؤقت»؟

اسبوع واحد يفصل التوانسة عن الاستحقاق الرئاسي، الذي يأتي على وقع «مفاجأة»، إن لم نقل «انقلاب»، 26 تشرين الاول الماضي، عندما عاقب التونسيون حزب حركة النهضة (الاسلامية) بزعامة راشد الغنوشي ووضعوها في المرتبة الثانية، بعد حزب نداء تونس (الليبرالي) الذي يتزعمه الباجي قائد السبسي بفارق يزيد على ستة عشر مقعداً، كانت بمثابة صفعة مدوية لخطاب الاستعلاء والوصاية وإدعاء الحكمة والنطق باسم الاسلام، الذي دأبت حركة النهضة وخصوصاً الغنوشي على ترويجه، ما أضفى إثارة على استحقاق الثالث والعشرين من الشهر الجاري (الاحد الوشيك) الذي ربما يشهد مفاجأة مدوية اخرى، تأتي في السياق ذاته وإن اختلفت العناوين والشخصيات، لكنها رسالة عقاب من الجمهور التونسي للترويكا الثلاثة، التي انتظمت في تحالف 14 كانون الثاني 2011 عندما جاءت «النهضة» بدميتين، إحداهما وضعته في رئاسة الجمهورية (مؤقتاً) واسمه المنصف المرزوقي، وإن كان تخفّى خلف حزب كرتوني اسمه «المؤتمر من اجل الجمهورية»، والثاني أقعدته على رئاسة مجلس النواب وحمل صفة المؤقت وكان اسمه مصطفى بن جعفر، صدف ان ترأس حزباً لا يقل هشاشة عن حزب المرزوقي اسمه حزب التكتل الديمقراطي من اجل العمل والحريات.
الاحد القريب… مرشح لأن يكون نقطة تحوّل في المشهد التونسي الجديد، الذي بدأ في الرابع عشر من كانون الثاني عام 2011 بهرب بن علي وانتصار الثورة التونسية، على نحو استفاد التوانسة من تجربة السنوات الأربع الماضية التي انقضت على الثورة، والتي برزت فيها حركة النهضة كلاعب رئيس، ثم ما لبثت أن حوّلت رئاسة الجمهورية الى لاعب احتياطي بائس، كذلك حال رئاسة مجلس النواب، ولم يعد امامهما وقد ارتهنا لـِ(إحسان) النهضة وعطفها، سوى شراء دعمها أو المزايدة عليها، كما فعل المرزوقي عندما قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا وأيد «ثوار الفنادق» وراح يُحاضر عن الديمقراطية وحقوق الانسان، فيما هو يُسلّم البغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء للقذافي الى الميليشيات، التي اتفقت منظمات حقوق الانسان العالمية التي يدّعي المرزوقي الانتماء اليها، على أنها غير مؤتمنة على اجراء محاكمات عادلة لخصومها وخصوصاً لأركان نظام القذافي..
لم يكتف المرزوقي بذلك، بل ذهب الى مغازلة ميليشيات حماية الثورة (التي اقامتها حركة النهضة لإرهاب خصومها واغتيال المعارضين بالتعاون مع السلفيين، كما فعلوا مع شكري بلعيد ومحمد البراهمي) الى ان جاءته الصفعة الاقوى، عندما أعلنت النهضة أنها ترفض خطاب المرزوقي الذي يُقسّم البلاد الى جبهتين متقابلتين، الاولى اعتبرها جبهة الثورة والاخرى ليس أقل من وَصفِها بجبهة «اعداء الثورة»، ما يعني هدر دمائهم وتشويه سمعتهم وحرمانهم من ابسط حقوقهم السياسية، الى درجة احتساب كل من يعارض النهضة ودميتيها (المرزوقي وبن جعفر) بأنه من جبهة 7 تشرين الثاني (تاريخ الانقلاب الذي قاده بن علي على بورقيبة) فيما صنف نفسه على انه من جبهة 18 تشرين الاول التي تضم «الثوار» وأنصارهم.
المرزوقي الذي انقسم حزبه ولم يحصل إلاّ على حفنة من المقاعد، بات على قناعة (رغم انه يكابر) بان حظوظه بالبقاء في قصر قرطاج باتت معدومة، بعد ان اختبره التوانسة ووجدوا فيه نسخة كاريكاتورية لمعارضة المنفى التي تتقن التهريج وإدعاء الحكمة وعند امتحان النتيجة تُخْفِق في الانسجام مع ادعاءاتها، وهو ما ترجمه المرزوقي في رفع راتبه وموازنة القصر الرئاسي اكثر مما كان في عهد الجنرال المخلوع، فضلا عن تواصل الازمات الاقتصادية والاجتماعية والانهيار الامني في عهده وحلفائه وعلى رأسهم حركة النهضة، هذا الرئيس المؤقت الذي صُنّف ذات يوم على تيار المدافعين عن حقوق الانسان والحريات العامة وصف خصومه بـ»الطواغيت» واعداء الثورة، على نحو يتماثل مع خطاب الارهابيين والتكفيريين والسلفيين الجهاديين الذين يهدرون دماء المختلفين معهم، وهو ما لفت اليه شخصيات تونسية معتدلة رفضت وصف الطواغيت، لأن هذا الوصف يعني هدر الدماء وهو لا يستقيم في المنافسة السياسية والحريات العامة والحقوق المدنية، التي هي حق اساس من حقوق المواطنة، ثم… وقد بدأ يستشعر الخسارة وربما نهاية مستقبله السياسي، راح يضرب على وتر «الجهوية» وإحياء العصبيات القبائلية والمناطقية، عندما أراد استمالة جمهور الجنوب التونسي بقوله: أنه من «الجنوب» وانه سيدافع عن حقوق ابناء الجنوب في التنمية ومكافحة البطالة وغيرها من الشعارات التي اثارت استهجان الكثيرين وخصوصا في «سقوط» خطاب هذا الرجل، الذي ظن كثيرون انه سيُحدِث فرقاً في منصب رئاسة الجمهورية مقارنة مع فساد بن علي واستبداده، لكنه كان نسخة رديئة وفاشلة.
الأحد الوشيك سيشهد السقوط المدوّي للمنصف المرزوقي، الذي سيذهب الى التقاعد الاجباري، بعد ان لم يعد يجد من يسانده او يأسف عليه، كونه فشل في الانسجام مع قناعاته (المُدّعاة) فضلاً عن إنكشاف رطانته حول حقوق المواطنة والحريات الاساسية، عندما وصف خصومه ومنافسيه بالطواغيت فيما هو كان تحت ابط حركة النهضة (الديمقراطية بالطبع) وخادماً مطيعاً لأوامرها.

*كاتب صحفي”الرأي” الاردنية