الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر: صراع بين الرئيس والشبح
b4cd45b9dcdf28778c9b938159445747

الجزائر: صراع بين الرئيس والشبح

 وقعت الواقعة في الجزائر، وتجرّأ جزائري على مهاجمة “الشبح” ومساءلته وإدانته. الجزائري ليس مواطناً عادياً، إنّه عمّار سعيداني، الأمين العام لـ”جبهة التحرير الجزائرية”، أي الحزب الحاكم منذ الاستقلال. “الشبح” هو مدير المخابرات، الجنرال محمد مدين، المعروف في الجزائر باسم “توفيق”.
الهجوم غير المسبوق أنتج هجوماً مضاداً عنيفاً من شخصيات في السلطة وخارجها تركّز في الدفاع عن جهاز المخابرات الذي يُعرف في الجزائر باسم  جهاز “اس.اس” نسبة إلى الغستابو، بسبب الأدوار التي لعبها في إدارة البلاد، وخصوصاً أثناء “العشرية السوداء” (الحرب ضدّ الجماعات الإسلامية) التي كلّفت الجزائر أكثر من 150 ألف قتيل.
أهمية هذه المعركة المفتوحة على كل الاحتمالات أنّ الطرف الأساسي والأول فيها، وإن لم يذكره أحد حتى الآن، هو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الموجود في فرنسا للعلاج بسبب حالته الصحية المتدهورة، رغم أنّ أساس المشكلة هي في إعادة انتخابه لولاية رئاسية رابعة، في وقت تتشكّل معارضة قوية ضدّ هذا التمديد على خلفية خلاف حاد بين الرئاسة والمخابرات المعارضة للولاية الرابعة، وبحجّة الوضع الصحّي السيء للرئيس.
الجنرال محمد مدين أو “توفيق”، عمل طويلاً مع الجنرال “اسماعيل”. في العام 1990 عيّنه الجنرال خالد نزار وزيرأ للدفاع، والرجل القوي بين مجموعة “جنرالات فرنسا”، كما كان يُطلق عليهم، ومنهم الجنرالان محمد التواتي المعروف باسم “المخ” والعربي بلخير إلى جانب خالد نزار، مديراً للمخابرات. العجيب هو في شخصية “توفيق”، ذلك أنّ أحداً في الجزائر والعالم لم يشاهده ولم يظهر أبداً ولذلك لا صورة له إلاّ واحدة قديمة جداً وغير واضحة.
عمار سعيداني وجّه اتهامات محددة لتوفيق، إطارها العام “الوقوف وراء الفضائح والأكاذيب والإشاعات ضدّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة”. أمّا التهمة الأخطر والتي كان يتناقلها الجزائريون منذ نصف قرن، أنّ جهاز المخابرات، كما قال سعيداني، قد “تغوّل”، ومد يده الداخلية إلى الأحزاب السياسية والإدارة في البلد، وخلق الفوضى داخل “جبهة التحرير الجزائرية” فدعم جناح عبد الرحمن بلعياط ضدّ سعيداني الأمين العام.
ولمعرفة حجم “تغول” جهاز المخابرات فإنه يوجد “عقيد من الجهاز على مستوى كل وزارة ومؤسسة عمومية يتابعها”. ويقدّر عديد الجهاز بعشرات الألوف من العملاء والمخبرين.
سعيداني دعم هذه الاتهامات بتفاصيل تعود إلى “العشرية السوداء” حيث سجّل فشل المخابرات في:
* حماية الرئيس محمد بوضياف الذي اغتيل.
* حماية أمين عام اتحاد النقل عبد الحق بن حمودة الذي اغتيل.
* حماية الرهبان التيجيريين الفرنسيين الذين اتهم الإسلاميون بقتلهم وتبيّن بعد سنوات أنّ المخابرات الجزائرية نفّذت العملية.
* حماية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من محاولة اغتياله عام 2007 في ولاية باتنه.
* منع تفجير قصر الحكومة ومقر “onv”.
* منع اختراق الإرهابيين للحقل النفطي في أمناس، حيث سقط خلال الهجوم عشرات العمال من جزائريين وأجانب.
الخلاصة لكل هذه الاتهامات وغيرها أنّ سعيداني طالب الجنرال “توفيق” بالاستقالة، ومعه مساعديه وأبرزهم الجنرال بشير طرطاق مدير مديرية الأمن الداخلي و”رجل المدفعية” كما يُطلق عليه لشدّة بأسه أثناء “العشرية السوداء”.
لا يعرف الجزائريون كيف ستنتهي هذه “المعركة” غير المسبوقة. الأمر متعلق بقرار الرئيس بوتفليقة سواء في الترشّح لولاية رابعة أو انسحابه لأسباب صحية أو في نجاحه أو عدم نجاحه في تسمية خليفته. لكن لا يمكن فصل ما يجري في الجزائر العميقة عما يجري في منطقة المشرق، ذلك أنّ موقع الجزائر الخاص والتي تحارب باسم مشكلة “الصحراء الغربية” لكي تأخذ منفذاً على المحيط الأطلسي، يبدو وكأنّها تستعد للمتغيّرات، ذلك أنّ الولايات المتحدة الأميركية التي تعيد صياغة استراتيجيتها بشكل كامل تتحول من الأطلسي إلى الباسفيكي، وهي لا تريد ترك “الرجل المريض” في العالم أي الشرق الأوسط “سائباً”.
لذلك، تعمل من جهة على محاولة إيجاد حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من جهة في المشرق، وحل النزاع في المغرب الكبير بين الجزائر والمغرب الذي استنزف قدرات البلدين الاقتصادية، ولا سيما بالنسبة إلى المغرب، وسهّل للجيش والمخابرات وضع يدهما على السلطة وإغراق الجزائر في “مستنقع” الفساد واستنزاف الثروة النفطية إلى درجة أنّ أحد الجنرالات المتقاعدين قال بمناسبة الأزمة الجديدة “كل شيء متوقف في الجزائر إلاّ الفساد”.
لكن من المؤكد أنّ هذه المعركة غير المسبوقة لن تنتهي دون سقوط رؤوس كبيرة في النظام، ستؤدي لاحقاً إلى إنتاج نظام جديد متوازن، يستطيع أن يلعب دوراً إيجابياً في منطقة مهدّدة بكل أنواع الصراعات والصدامات تمتد من مصر إلى الجزائر، هذا دون الحديث عن سوريا.
“المدن” اللبنانية