الرئيسية / وجهات نظر / في نقد أطروحة “إسقاط الفساد”
e3ae2e8b288489c1fc189dc8b5a1fd9d

في نقد أطروحة “إسقاط الفساد”

إسقاط الفساد كان من أهم الشعارات التي رفعت في ميادين الاحتجاج ضد العديد من الأنظمة العربية،. اليوم، يطرح سؤال كبير حول إمكانية إسقاط الفساد، وحول الصعوبات الكبيرة التي تعترض هذا الشعار..إنه شعار مشروع ولكن علينا أن نعترف بأنه شعار لا يخلو من نزعة مثالية ‘حالمة’، تطرح صعوبات حقيقية على مستوى التطبيق، خاصة حينما يكون الأمر يتعلق بالفساد كنمط في تدبير شؤون الحكم، ويصبح تسيير شؤون الدولة مرتبطا بشراء الولاءات وإدماج النخب بواسطة آلية الريع وتوظيف مواقع السلطة لتحصيل منافع غير مشروعة..
ومما يزيد في الصعوبات المتعلقة بالموضوع هو تلك النظرة الأخلاقية التبسيطة التي تحكم البعض في نظرته لمفهوم الفساد، واعتباره مجرد انحرافات تشوب المعاملات الإدارية والمالية داخل مؤسسات الدولة من السهل القضاء عليها. والحال أن المعنى الحقيقي لمفهوم الفساد، وهو المعنى الذي أصبح متعارفا عليه دوليا، يتجاوز المعنى السابق بكثير، ويحيل إلى ظاهرة أصبحت تمثل جزءا بنيويا من الاجتماع السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي للعديد من المجتمعات ولا سيما تلك المجتمعات التي لا تتمتع بنظم حكم ديمقراطية، وهو ما ينعكس بشكل خطير على الأداء الاقتصادي، ويسهم في تعميق الفوارق الاجتماعية، ويضعف من شرعية مؤسسات الدولة ونزاهتها، ومن فعالية السياسات العمومية ونجاعتها، ويؤدي إلى تراجع الاستثمار الخارجي والداخلي. ظاهرة الفساد في بلداننا أصبحت في قلب الأزمة الاقتصادية والسياسية والمجتمعية التي أصابت العديد من المؤسسات بأعطاب خطيرة، وتفاقمت مضاعفات الفساد مع مرور الزمن، وفي غمرة ذلك بدأ القانون يفقد هيبته، بل أصبح الفساد يستظل بظل القانون وببعض التشريعات الموروثة من زمن الاستعمار.. ولم يعد الفساد حالة معزولة مجسدة في بعض الأفراد، بل أصبح ثقافة تسكن في ذهن العديد من السياسيين والبيروقراطيين.. طبعا نحن نتحدث عن الفساد الكبير الذي تكون له مضاعفات اقتصادية خطيرة وآثار مباشرة على النمو الاقتصادي، كما تكون له كلفة سياسية أيضا تؤدي إلى تآكل مصداقية المؤسسات واهتزاز شرعيتها، وهو ما ينعكس على مستوى الاستقرار السياسي. إننا نتحدث عن نوع من الفساد المؤسسي الذي يعني تحول الفساد إلى عمل منظم ومخطط له، يستثمر فيه البعض لمراكمة ثروات غير مشروعة، وهذا الاستثمار يبلغ ذروته حينما يصل إلى درجة التحكم في المعلومة واحتكارها ومنع روجانها، وفرض أجندة متحكم فيها على المشهد الإعلامي لا علاقة لها بالمعيش اليومي للمواطن.
نتحدث عن الفساد كنزعة شريرة متأصلة في الإنسان، وموجودة في جميع المجتمعات، لكن بأحجام ودرجات متفاوتة، والدول الديموقراطية هي الأكثر معافاة من هذه الظاهرة..لكن ذلك لا يعني بأن الديمقراطية كمنظومة سياسية وقانونية قادرة لوحدها على القضاء على الفساد، فقد كشفت العديد من التقارير الأوروبية ومنها تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية الذي وصف تنامي الفساد بالاتحاد الأوروبي بالمرعب، وجاء في التقرير الصادر عن مفوضة الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي أن الفساد يكلف الاتحاد الأوروبي 120 مليار دولار سنويا!! كما تحدث التقرير عن انتشار الفساد في جميع دول الاتحاد الأوروبي..
لكن، مع ذلك فإن الديمقراطية تبقى أفضل نظام يوفر الآليات الممكنة القادرة على محاصرة الفساد والوقاية من مخاطره..فممارسة البرلمان لأدواره الرقابية والعمل على سن تشريعات جيدة قادرة على تتبع مسالك المال العام بدءا من أوجه تحصيله وانتهاء بمجالات وطرق صرفه، تعتبر من الضمانات الأساسية لضمان الشفافية ومحاصرة ظواهر الفساد، كما أن إصلاح منظومة العدالة والوصول إلى قضاء مستقل تتوفر فيه شروط النجاعة والفعالية والنزاهة وتوفر البلاد على صحافة حرة تسائل السياسات العمومية وتراقب تدبير الشأن العام ومجتمع مدني فاعل يتمتع بالقوة الاقتراحية اللازمة… كلها عوامل ضرورية في معركة المجتمع ضد الفساد..
غير أن كل محاولة للإصلاح ستتصدى لها قوى مضادة ليس من مصلحتها تحقيق الإصلاح، وهي تتضرر منه لأنها ستفقد من جراء ذلك مصالح وثروات راكمتها في غياب المراقبة والمحاسبة. وهو ما سيجعل محاولات مكافحة الفساد تصطدم بصعوبات حقيقية خصوصا في اللحظات الانتقالية التي تتطلب من جميع الأطراف المعنية أن تتكيف مع مستلزمات الانتقال والاستعداد لأداء تكلفة الإصلاح، والتفكير في سبل إطلاق نموذج اقتصادي وتنموي جديد قادر على توفير بنيات اقتصاد حقيقي ومحاربة اقتصاد الريع والعمل على إعادة تأهيل المجال الاقتصادي، وجعل الثروة مرتبطة بالعمل وبالإنتاج، وتحويل المجهودات الاستثمارية للاقتصاد الحقيقي الذي يمكن البلد من خلق القيمة المضافة المرادفة للنمو الاقتصادي الوطني. وهكذا فإن الحديث عن مكافحة الفساد هو حديث في قلب الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة.
طبعا لا يمكن تعميم القول بهيمنة الفساد على جميع المؤسسات وسيادته على جميع المسؤولين، ولكن من المؤكد حضوره بمستويات وأحجام وأشكال مختلفة في العديد من مؤسسات الدولة، ولذلك فإن خطاب مكافحة الفساد ينبغي أن يستحضر بإيجابية وجود علامات مضيئة داخل الإدارة ووجود العديد من المسؤولين الذين يحكمون ضمائرهم أثناء ممارسة مهامهم، ويعاني العديد منهم في صمت خصوصا عندما يشتغلون داخل مناخ موبوء لا يشجع على الاجتهاد والعطاء.
الفساد في البلاد العربية جرى تغليفه في كثير من الأحيان بالولاءات السياسية، وهو ما يجعل مهمة الإصلاح أكثر تعقيدا، خصوصا حينما يكون الفساد الموجود إفراز طبيعي للدمج ما بين الهيمنة السياسية السلطوية والنفوذ الاقتصادي، وفي هذا الإطار يمارس الفساد الكبير بشكل خاص ويبدأ في التحول التدريجي إلى معطى بنيوي.. وهكذا يتم غض الطرف عن الفساد الصغير في مقابل إسهامه في توسيع قاعدة الولاء السياسي وحماية مراكز النفوذ السلطوي.
إن التاريخ الاقتصادي للعديد من البلدان العربية بعد مرحلة الاستقلال يبين أن تكوين الثروة لم ينفصل قط عن رعاية السياسة و السلطة، فموجة الأغنياء التي تشكلت مع اعتماد سياسة التأميم واسترجاع الأراضي الفلاحية، والاستفادة من القروض الضخمة في قطاعات الصناعة و الفلاحة والصيد في أعالي البحار والعقار والسياحة ، التي مولت من طرف مؤسسات مالية وطنية، كلها فرص استفاد منها إما أصحاب سلطة ونفوذ أو متحالفون معهم أو ترعرعوا تحت مظلاتها.
أما الآن فهناك موجة من الأغنياء الجدد تشكلت و مازالت تترعرع عن طريق الاستحواذ على آلاف الهكتارات من العقارات العمومية بأثمنة بخسة و تراخيص إدارية سخية تهلك الحرث والنسل، مقابل التزامات يتم التنصل منها و تحريفها مباشرة بعد توقيعها، وهناك أيضاً موجة أخرى من الأغنياء تشكلت عن طريق المضاربات في سوق الرساميل مستفيدين في ذلك إما من قربها من مراكز السلطة أو من غض طرفها عن ممارساتهم المخالفة لقواعد السوق و التي لا تترك مجالاً لمنافستهم على أسس شفافة.
إن أحد أسباب إحجام بعض المستثمرين الأجانب عن اقتحام الأسواق العربية، راجع لكونهم أصبحوا مقتنعين بضرورة التوفر على مظلة سياسية تقوم بتأمين لنشاطهم الاقتصادي.
إنه تأمين سلطوي يخضع لدرجة القرب أو البعد من السلطة، وليس محكوما بقواعد التأمين التجاري المتعارف عليه..
“القدس العربي”