الرئيسية / وجهات نظر / متى تعود المعارضة الجزائرية إلى الشعب
OMAR AZRAJE

متى تعود المعارضة الجزائرية إلى الشعب

ماذا تعني الإشارات الأولى التي تشير، بكثير من الضبابية، إلى بدايات ابتعاد حزب القوى الاشتراكية، الذي يعد أقدم حزب جزائري تشكل بعد الاستقلال، عن “قطب قوى التغيير” الذي تشكل بعد إعادة انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية للمرة الرابعة، في سابقة تعد في نظر الكثير من المراقبين والأحزاب المعارضة تحطيما مباشرا لمشروع الانتقال الديمقراطي وترشيد الحياة السياسية الجزائرية؟
وهنا نتساءل: هل هناك صفقة بين النظام الحاكم وبين حزب القوى الاشتراكية ومعه أحزاب وشخصيات الموالاة، لقطع الطريق عن المطلب الأساسي الراهن للمعارضة والمتمثل في الدعوة إلى تنحية الرئيس بوتفليقة من منصبه الرئاسي، وإجراء انتخابات رئاسية جديدة وذلك بحجة أن الرئيس مريض ولم يعد قادرا على تحمل وزر شؤون الدولة؟ أم أن الأمر يعني، في الجوهر، أن حزب القوى الاشتراكية قد انسحب نهائيا من المعارضة السياسية ويريد أن يشق طريقه بأسلوب خاص به لكي يصل إلى الحكم عن طريق التحالف مع الرئيس بوتفليقة والجماعات والأحزاب المؤيدة له في المستقبل المنظور؟
في الواقع فإن قراءات التسريبات التي يتم تداولها في الشارع الجزائري يمكن أن ترشدنا إلى فهم آخر لتحركات حزب القوى الاشتراكية من جهة، وللسخط الذي يبديه “قطب قوى التغيير” تجاهه لحد وصفه بأنه قد تخلى عن عقيدته وتراثه النضالي وقيمه السياسية. إن إحدى التسريبات تقول إن هذا التحالف بين حزب القوى الاشتراكية وبين الرئيس بوتفليقة ومريديه، ليس آنيا وإنما يعود إلى ما قبل تنفيذ سيناريو العهدة الرابعة بشهور، وذلك عندما قدم زعيم ومؤسس “الأفافاس”، أي حزب القوى الاشتراكية، آيت أحمد الحسين من سويسرا إلى قصر الرئاسة بمنطقة المرادية بالعاصمة الجزائرية، وعقد اجتماعا سريا وخاصا مع بوتفليقة واتفق معه على دعم حزبه له ولبقائه في الحكم لعهدة رابعة. وأكثر من ذلك فإن محتوى تلك التسريبات قد أكد أن آيت أحمد قد استفاد من تلك الصفقة حيث أنه قد مكَن من بيع “فيلته” الفخمة بالعاصمة بمبلغ كبير قدره 50 مليار دينار جزائري (ما يعادل تقريبا 2.5 مليون جنيه إسترليني) وقدمت له التسهيلات لتحويل هذا المبلغ إلى حسابه بالعملة الأجنبية في الخارج، فضلا عن حصوله على مبلغ ضخم يقدر بعشرات المليارات، في شكل مدفوعات تقاعده على أساس مرتبة عالية كشخصية تاريخية وطنية.
ولكن من المرجح أيضا كما يرى مراقبون سياسيون أن حزب القوى الاشتراكية يهدف من وراء صفقة التحالف مع الرئيس بوتفليقة إلى الحصول من هذا الأخير على تنازل “تاريخي وإستراتيجي” يقضي بتثبيت اللغة الأمازيغية في الدستور القادم كلغة رسمية في البلاد بعد إقرارها سابقا كلغة وطنية فقط. لاشك أن هذا التكتيك الذي يمارسه حزب القوى الاشتراكية له أهداف سياسية كبرى تخدمه وتخدم الرئيس بوتفليقة، ليس فقط على المدى القصير وإنما على المستوى التاريخي أيضا وخاصة بالنسبة لهذا الأخير.
من المتوقع جدا أن يحول ترسيم اللغة الأمازيغية -في حالة حصول ذلك- الرئيس بوتفليقة إلى “بطل قومي للأمازيغ” الجزائريين الذين يقدر تعدادهم بحوالي 10 مليون نسمة، أي ما يساوي ربع سكان البلاد، ويمنح بالتوازي والتزامن حزب القوى الاشتراكية الصدارة في فضاء المنطقة الأمازيغية برمتها. لو تحقق هذا الترسيم للغة الأمازيغية فإن حزب القوى الاشتراكية سيقضي بالضربة القاضية على منافسه في المنطقة وهو حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” الذي كان يعتقد لزمن طويل أنه العرَاب الوحيد للقضية الثقافية واللغة الأمازيغية، وبذلك يفقد هذا الحزب موقعه التقليدي بالمنطقة الأمازيغية “البربرية” التي تمثل رقما صعبا في الحياة السياسية الجزائرية.
وفي الواقع فإن الصراع السياسي بين هذه الفصائل المختلفة، في المشهد السياسي الجزائري، هو أساسا صراع مناورة بقصد تتويج ذلك بمرحلة أخرى، وهي الصراع على المواقع والزعامة، وعلى مناطق النفوذ وليس على العقيدة السياسية أو على قضايا الشعب. بالنظر إلى هذا فإنه صراع لا يترجم حقائق الواقع الوطني، أو ما يريده الشعب الجزائري أن يتحقق بشكل واقعي وملموس مثل دولة العدالة والقانون، والرفاه الاجتماعي، والأمن، والتقدم الثقافي والتربوي والتعليمي، فضلا عن حل المشكلات الاجتماعية المستعصية والمؤجلة وفي صدارتها أزمات السكن، والبطالة، والجنوح الأخلاقي، والتفاوت الطبقي الخانق، والعنوسة المستشرية لحد بلوغها نسبة 10 مليون عانس عبر القطر الجزائري.
وهكذا نرى أن هذه الفسيفساء الحزبية المتخبطة والمتشظية والتي تفتقد إلى التماسك وإلى الأرضية الفكرية المولّدة للأفكار الكبرى، ليس لها امتداد شعبي حقيقي تتنفس أوكسجينه ويضمن لها بالتالي الوصول إلى السلطة السياسية والتنفيذية والتشريعية تمكنها من إحداث تحول جذري في الحياة الفكرية والسياسية والتنموية الجزائرية بكل أنواعها ومجالاتها. نظرا لذلك فإنه يمكن إصدار حكم موضوعي وهو أن أحزاب المعارضة الجزائرية، وكذا الشخصيات الفردية المدعوة بالمعارضة، لا تزال تبحث عن هويتها من حيث الموقف السياسي، والانتماء الفكري والأيديولوجي، ومن حيث العلاقة بالمواطنين والمواطنات.
بناء على ما تقدم فإنه ويبدو واضحا أنها لن تجد هويتها الواحدة المنسجمة أو هوياتها الخاصة بكل فصيل ما دامت ممارستها تأخذ مسارها بإفراط وعن سبق إصرار وعلى نحو نمطي خارج ملعب الشعب وبعيدا عن قضاياه ومشاغله وهمومه. من الملاحظ أيضا هو أن هذه المعارضة تتميز سلبيا بأنها شكلية تماما وتفتقد من حيث تركيبتها البشرية إلى الاندفاع الحيوي. إلى جانب هذا فإن هذا المشهد محكوم حتى يومنا هذا بالتشتت العقائدي من جهة، وبعدم ابتكار كتلة موحدة لها مشروعها النهضوي المقنع والقادر على الاستقطاب من جهة أخرى. لاشك أن تظاهر المعارضة بأنها قد توصلت إلى تشكيل “تجمع مناهض” للسلطة الأحادية كسلوك سياسي وكذهنية ديكتاتورية هو أمر لا يتعدى إعادة إنتاج مشهد متنوع وغالبا متناقض يأخذ شكل “التركيبة القديمة” التي كرستها جبهة التحرير الوطني، قبل تحولها إلى حزب.
رغم ما يطفو إلى السطح أن “فسائل”، ولا أقول ” فصائل المعارضة”، تنحو نحو بناء التكتل في صورة ما يسمى حاليا “بتنسيقية الانتقال الديمقراطي” أو “قطب قوى التغيير” قصد مواجهة النظام الحاكم، فإن الواقع الحقيقي يقول عكس ذلك الآن، ولعل عدم استقرار هذا الحزب أو تلك الشخصية السياسية في إطار معين هو الذي يفسر، مثلا، هذا التغير في علاقة وميول حزب القوى الاشتراكية المفترض أنه معارض، وأنه ملتزم بالعقيدة الاشتراكية اليسارية التي لم يدافع عنها منذ تبني النظام الجزائري للنهج الرأسمالي، انطلاقا من مرحلة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد إلى مرحلة الرئيس بوتفليقة، الذي تخلى بدوره أيضا عن النهج الاشتراكي الذي كان يتظاهر أنه يلتزم به طوال مرحلة الرئيس هواري بومدين.

*كاتب جزائري/”العرب”