الرئيسية / وجهات نظر / الصراع على هرم السلطة في الجزائر
BACHIR

الصراع على هرم السلطة في الجزائر

ثمة حالة من الاسترابة الكلية تتحكم في رسم المشهد السياسي الجزائري، وهذا ليس بسبب عسر في تحديد الاطراف والمسؤوليات، إنما في تحديد طبيعة الادوار في فضاء متلاطم من الصراع، اتضح مؤخرا أنه أضحى يبنى على منطق التناوش الفوقي الذي يستهدف به أصحابه التغيير داخل الثابت التاريخي لبيت الحكم، أي داخل المعبد الأول الذي سطر كتاب السلطة وطقوس تشكلها وسريانها من يوم خلقت الدولة القُطرية في عتمات المؤسسات السرية أو سراديب النظام.
فالسلطة التقليدية في الجزائر تعيش دابر العمر، بعد أن استهلكت أجيالها وخيالها وقواها الانقلابية وسط محيط خارجي متحول وداخلي مضطرب على مستوى الوعي والسلوك، متردد في القبض على زمام الامور مخافة أن يزل بالمجتمع إلى زلة تسعينيات القرن الماضي.. سلطة بطرف متمرد (رئاسة) وآخر مروض (مخابرات) ورغم أنهما يتصارعان عموديا وفوقيا الا أنهما ومع ذلك لا يسمحان بأي شكل من الاشكال لأي طرف استغلال صراعهما للمس بثابت الرسم التقليدي للسلطة، ويحاولان في الآن ذاته استغلال كل طرف يقوي من موقفهما في المعترك التناوشي الفوقي.
جماعة الرئيس التي تحكم سيطرتها على الرئاسة، تستميت في رفض التخلي عن هرم السلطة، من خلال إحكام القبضة على كل المؤسسات الدستورية التي تملك صلاحية إنهاء حكم الرئيس المشلول عبد العزيز بوتفليقة، كما تبسط سيطرتها على الاعلام الثقيل منه والخفيف، ومصادر حياته الحيوية كالإشهار كي تعيد انتاج الاوجاع في وعي المواطن، عبر تحريك صور الدم التسعيني الذي لا يزال نازفا في الذاكرة الجمعية، لتستميل عطف وتعاطف الناس حول الرئيس الشبح بوصفه صانع الأمن والامان وتسوق المخاوف الوهمية من مغبة العودة إلى دائرة التناحر في حال رحيله أو ترحيله. سعي أتى بثماره وأزيد، ما شجع الرئاسة على المضي قدما إلى المرحلة الثانية من معركة التناوش الفوقي، القاضية بالهجوم على قواعد الطرف المروض، وهو المخابرات، بتفكيكه وسلبه أطره الوفية، وتعيينها في مناصب استشارية بالرئاسة، على درب تكسيره نهائيا، وذلك قبل رحيل ساكن قصر المرادية إن أمكن، حتى يتسنى للرئاسة أن تعيد انتاج نفسها بيولوجيا، عن طريق التوريث.
هذا في الوقت الذي أبدى فيه الطرف المروض استماتة غير عادية في تلقي ضربات جماعة الرئاسة، فيوجه في كل مناسبة سانحة ضربات تحت الحزام من خلال الكشف عن ملفات فساد كبرى، تارة يسربها عبر الاعلام وتارة عبر شخصيات مواليه له، اتضح في ما بعد أن تلكم الملفات لا تجدي نفعا في الداخل، ولا تؤثر في سريان المعركة، باعتبار أن القواعد الشعبية لا تهتم بالسرقات والاختلاسات مهما كانت مصادرها وحجمها بقدر اهتمامها بالأمن وتطلعها القلق لبقائه، وهو ما صب في صالح جماعة الرئاسة، لكن بدون أن ينقص الكثير من قوة المناورة لدى الطرف المروض أي الاستخباراتي.
وهكذا صار يتضح للملاحظين مدى خطورة المنقلب الذي قد يؤول إليه صراع هرم السلطة في الجزائر، خصوصا أنه صراع فوقي بكل ما للفظ من دلالات، أبعد عنه المعارضة التقليدية، وأبعد عنه الشعب بشكل دراماتيكي، بحيث لن يكون هنالك انقلاب جذري في تركيبة السلطة بالجزائر طالما أن الارادة الفوقية ستظل هي المشكلة لها وفق لعبة الحسم الداخلي.
صحيح أن عدم انخراط الشعب في معركة الكرسي الضارية في أعلى هرم السلطة، جنب البلاد الوقوع في مستنقع ما ينعت بالربيع العربي، لكن تحييده في معادلة الصراع بشكل كلي، وعدم إيلاء إيرادته السيادية أدنى اعتبار واتخاذه وسيلة من وسائل التناوش الفوقي والابتزاز التصارعي المتبادل، سيبقي على هشاشة قواعد الحكم في البلاد، ويستمر معها ضعف دولة المؤسسات بضعف عمقها الشعبي السيادي، تلك الدولة التي ما كادت تحسم معركة الارهاب الدموي لصالحها حتى وجدت نفسها تقتحم إرهاب الفساد الذي له أمراؤه وقادته والطامة أنهم ممن يتحكمون في مصير الدولة ذاتها اليوم.
علاوة على هامشية الشعب في صراع الكرسي، بدت المعارضة الكلاسيكية أضعف من أن تبصم بحضورها في المعترك، فهي مذ ارتدت السلطة عن التعددية الجدية التي تأتت عن أحداث أكتوبر 1988 في أعقاب توقيف المسار الانتخابي عام 1992، لم تعد تمثل سوى واجهة لنظام تعددي في الشكل أحادي في المضمون، ونزعت بذلك مصداقيتها لدى القواعد الشعبية، فاستحالت في سوادها الأعظم إلى جمعيات انتخابية تنشط في مواسم معلومة، معظمها يشحت «كوتات» السلطة في تقسيم الغنائم الانتخابية، لذلك لا يمكن الرهان على دورها في المساهمة في تشكيل مستقبل الصراع حول السلطة، وهو ربما السبب الذي دعا رئيس الحكومة الاصلاحية السابق مولود حمروش، الجيش للتدخل وإنقاذ البلاد من سلطتها المنقسمة إلى رأسين متصارعين، في ظل هشاشة الارادة الشعبية في الحسم، وضعف الطبقة السياسية، وعلى رأسها المعارضة، على الظهور كقوى مؤثرة في سيرورة الصراع.
نخلص في الأخير إلى أن منطق التناوش الذي يطبع صراع السلطة في الجزائر، مع ما يصاحبه من ضآلة في الوعي الشعبي بمسألة محورية ودور سيادته في تحديد السلطة، وضعف المعارضة هيكليا وفكريا وأخلاقيا، تناوش عبرت عنه بكل وضوح الحركة الاحتجاجية للشرطة في اقوى وأخطر رمزياتها حين دقت أبواب قصر المرادية، أي رئاســـة الجمهــــورية في بادرة غير مسبوقة، كل ذلك ينبئ بقادم قاتم لمشهد الصراع ما لم تتدارك الاطراف النائمة والمجبرة على البقاء في الهامش، لتعيد التوازن الحيوي لمسار المســـؤولية في البلاد، ونعني بالأطراف النخب، والشعب، وأن تعيد الاحزاب السياسية غير الموالية، النظر في واقعها التنظيمي والعملي باتجاه استعادة قواعدها الشعبية التي نزعتها منها بشكل ممنهج مدبر أثناء الحرب الأهلية الدامية التي حصدت أرواح زهاء 200 ألف جزائري في تسعينيات القرن المنصرم.

٭ كاتب صحفي جزائري/”القدس العربي”