الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا وظاهرة العنف السياسي
محمد-خليفة

ليبيا وظاهرة العنف السياسي

تركت الثورة الليبية نكباتها وندوبها العميقة في المجتمع الليبي ربما يعز التئامها على المدى القريب، فلقد أججت النزعات الانفصالية، وأشعلت صراعاً لا يكاد ينتهي بين ميليشيات مسلحة تنهج التطرف، وتسعى إلى إقامة إمارات إسلامية على الأرض الليبية، وقد أدى ذلك إلى تعطيل الحياة في مختلف اتجاهاتها، وكان الشعب الليبي ينتظر وضعاً أفضل مما كان عليه الحال في عهد النظام السابق، لكن كثرة الميليشيات المسلحة، وغياب سلطة الدولة، واختلاف توجهات السياسيين بين إسلاميين متطرفين وبين علمانيين، كل ذلك أدى إلى شيوع الفوضى والخوف من المستقبل المجهول . وأصبح الشعب الليبي يعاني نقصاً في المواد الغذائية، وتلجأ دولته إلى طلب العون من الدول الأخرى.
لم يتوقف كثيرون عن البحث في أسباب حدوث هذه التطورات الاقتصادية والسياسية في ليبيا، والتي بدأت تتجه نحو مرحلة الخطر المجهول، والطيوف الواجمات تعبُر وتتوه في المشارف العجاف، وترتمي على المدى والظمأ المشاع، ويرعش الجرح الموات المغروس في تساقط الظلام، في بيئة مملوءة بالمتناقضات نتيجة طبيعية لفشل التنظيمات المسلحة في إثبات قدرتها على الاستمرار، كنظام حياة مبني على نظريات غير واقعية، تقوم على إيديولوجية ليس فيها عوامل الاستمرار والثبات. هذه الرمادية المقيتة لم تعد قابلة للتنفس، إنها تتهاوى شيئاً فشيئاً، يزحف عليها سواد الغربان، ويسرق الوطن من أحضان أبنائه تحت أبخرة السواد، والتفسيرات ذات الطابع العنيف، والتي تستند إلى مرجعيات متطرفة ذات طابع سوادوي، تمكنت من إيجاد أتباع لها عبارة عن جماعات تمارس العنف السياسي والقتل والتكفير باسم الدين .
هذه المرجعيات التي تنتهج العنف والقتل باسم الإسلام، وهو منها براء، عبر تشريع القتل الشنيع، وإعادة تغليف العنف بغلاف أنيق يتمسح بالدين بطريقة أكثر عنفاً . ولعل أخطر ما يحدث في هذا البلد العربي هو أن النشء فيه محروم من الدراسة والتحصيل العلمي . فقد تم تعطيل الدراسة في المدارس والجامعات وخصوصاً في أهم مدينتين ليبيتين وهما، العاصمة طرابلس، وبنغازي للعام الثالث على التوالي، ووجد 63 ألف طالب وطالبة في التعليم الأساسي والمتوسط، هذا العام، أنفسهم غير قادرين على الذهاب إلى مدارسهم، فيما تعذر على 8550 معلماً ومعلمة تأدية أعمالهم بسبب الأحداث .
ومن دون شك، فإن تعطيل الدراسة لا يخدم سوى المتطرفين الذين يريدون المزيد من الأطفال والشباب، لاستخدامهم في حروبهم القذرة، لكن الذي سيدفع الثمن هو الشعب الليبي بشكل خاص، والأمة العربية بشكل عام، فحرمان النشء من إكمال تعليمه سيؤدي إلى إحداث فجوة معرفية في المجتمع الليبي، تفوق تلك التي أحدثها النظام السابق، وبالتالي حرمان هذا المجتمع من الكوادر الوطنية التي تسهم في عملية التنمية المستدامة . كما أن ذلك سينعكس بالسلب على الأمة العربية التي ستخسر مكوناً مهماً من مكوناتها، كان يساهم في نهضتها الثقافية والحضارية .
وما يدعو إلى الأسف هو أن العالم أجمع يصم أذنيه كي لا يسمع نداءات واستغاثات المكلومين في ليبيا، والتي تحولت إلى مكان للقتل الجماعي والمجاني . ورغم أن البرلمان الليبي كان قد دعا في شهر أغسطس،2014 مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة للتدخل في ليبيا، وممارسة بعض من الضغوط على ذوي العلاقة بالنزاع في الداخل أو الخارج، بهدف إعادة الأمن وحماية المدنيين، وقد اتخذ البرلمان هذا القرار بعد أن عجزت الحكومة الليبية عن القيام بمسؤوليتها في حماية شعبها من بطش الإرهاب، ورداً على دعوة البرلمان الليبي تلك، فقد اكتفت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، بدعوة أطراف النزاع في ليبيا للتعقل والشروع في حوار فوري ينهي الاقتتال الدائر في البلد . أما الأمين العام للأمم المتحدة فقد اكتفى بإرسال مندوب من طرفه للحوار مع الأطراف الليبية للتوصل لصيغة لإنهاء العنف الدائر . وعلى العكس من ذلك، فقد اندفعت دول الغرب في بداية الثورة للتدخل في ليبيا بحجة التسريع في إسقاط النظام، وإقامة المجتمع الديمقراطي الموعود، ورغم أن أرواح الليبيين عادت لتكون مهددة بأخطار تفوق ذلك الخطر الذي استدعى التدخل الدولي في البداية، لكن إرادة المجتمع الدولي ودول الغرب قد اتجهت نحو هدف آخر، هو الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في العراق، والذي أصبح يهدد مصالح المجتمع العالمي برمته.
لكن هل تختلف الميليشيات في ليبيا عن “داعش”؟ قطعاً أن التنظيمات المتطرفة لها أجندات واحدة، وإن اختلفت أسماؤها، وهي تسعى للعودة بالعالم العربي والإسلامي إلى القرون الوسطى تحت مسمى العودة إلى مجتمع السلف الصالح، وهذا المجتمع الذي يرسم المتطرفون له صوراً وردية في خيالاتهم المريضة، ما هو إلا مشروع لتدمير هذه الأمة، وجعلها محط تندر وسخرية الأمم الأخرى في الأرض، فالمتطرفون لا يمكنهم أن يتقبلوا من هو مختلف عنهم في الفكر والأخلاق، ومن هنا قاموا في العراق بحملة تطهير عرقي وطائفي ضد مكونات الشعب العراقي التي يعتقدون أنها تمثل حالات كفر بالنسبة لهم .
إن المجتمع الدولي الذي يسعى إلى القضاء على “داعش” في العراق، يجب أن يكون له هدف مماثل وهو القضاء على أخوات “داعش” في البلاد العربية الأخرى، ولاسيما في ليبيا . وإذا لم تتضافر الجهود الدولية لتحقيق هذا الهدف، فإن التطرف سوف ينتشر في دول أخرى غير ليبيا، خصوصاً أن هناك بيئات حاضنة للتطرف في دول مثل الجزائر ومصر وتونس، بل حتى موريتانيا ومالي . فهل سينتظر العالم حتى ينتشر الإرهاب في كل مكان كي يتحرك للقضاء عليه؟ إن هذه الأمة ليست بحاجة إلى مشاريع المتطرفين، بل هي بحاجة إلى مشاريع علمية تنويرية وتنموية . ويقاس نجاح الأوطان بمعيار التنمية، ومن مقومات التنمية توفر الأمن، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق السعادة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي . فلا نهضة ولا تنمية ولا استقرار بدون أمن راسخ واستقرار عميق.
* كاتب خليجي/ “الخليج” الاماراتية