الرئيسية / وجهات نظر / في معنى أن تونس تنتخب
وزير-الثقافة-التونسي-المهدي-مبروك

في معنى أن تونس تنتخب

بقطع النظر عما ستبوح به صناديق الاقتراع، في أول انتخابات تشهدها تونس، بعد أن سنت دستورها، إذا ما استثنينا انتخابات المجلس التأسيسي يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 ، فإنه علينا أن نستحضر أن ذلك ما كان ليتاح لنا، لولا عبقرية عشرات المفكرين وشجاعتهم النادرة في التنظير لما عد تجسيداً للإرادة العامة والحرية، ولولا التضحيات والنضالات المريرة لآلاف المواطنين التونسيين، من مختلف أصقاع الدنيا، الذين قضوا نحبهم، وهم يطالبون بصندوق يودعون فيه إرادتهم السياسية وصوتهم الحر، قدّ الصندوق من تلك الإرادة، و في قاعه الشفاف، تتجلى أرواحهم وأفكارهم عارية.
في العالم العربي، لم تغامر كتابات أكثر المتنورين، من أمثال علي عبد الرازق، وخير الدين التونسي، وابن أبي الضياف، وغيرهم، للذهاب بعيداً في اتجاه هذا الطريق، وظلت تحوم حوله من دون قصده مباشرة، لا شك في أن عوائق عديدة، منها ما هو معرفي ومنها ما هو سياسي شكل عائقا إبستيميا.
تُقبل تونس على بكرة أبيها، كما نتمنى، على انتخابات مجلس نوابها في لحظة حاسمة، ولكنها لن تكون نهاية العالم، بقطع النظر عن حجم مشاعر المرارة والانتشاء التي ستقسمنا بعض الأسابيع. ما كان لنا أن ننعم بهذا اليوم، لولا دماء الشهداء الذين أهدوا لنا صندوقاً مضرجاً بدمائهم. لم يكن الاقتراع الحر مطلبهم، ولا هو الشعار الذي حملوه وهتفوا به، وهم يقارعون الاستعمار، أو استبداد الأنظمة التي تعاقبت عليهم. ولكن تلك التضحيات كانت مقدمات ضرورية، حتى ندرك هذا اليوم.
لم يستشهد محمد البوعزيزي، ولا رفاقه الذين تساقطوا تحت وابل “الرصاص الحي” من أجل تلك المطالب، التي ربما لم تخطر على بالهم أصلاً، ولكن، بعد ذلك، سقط شهداء آخرون، كان آخرهم، يوم الخميس الماضي، أمنيين وعسكريين لتأمين انتخاباتٍ تليق بشعب افتتح ثورات القرن الواحد والعشرين.
الانتخابات التشريعية التي يذهب إليها التونسيون لم تكن منّة من أحد، فلن يعيرنا طرف: طبقة أو عسكر أو زعيم سياسي أو نخبة بالصندوق هذا، على اعتباره هبته الخاصة. مللنا من حسبان حرية المرأة والتعليم وتحديد النسل هبة عبقرية، أهدانا إياها زعيمنا الأوحد. تم ابتزازنا ومصادرة حرياتنا الأخرى باسم تلك المنة. إحدى فضائل الثورة التونسية، وربما عبقريتها، أنها ولدت مجزوزة الرأس. جسد البوعزيزي المحترق والأطراف الأخرى الهامشية من الجسد الاجتماعي العام عوضت الرؤوس المنتفخة. ماذا كان يحدث لو ظل البوعزيزي حياَ؟.
لا ندّعي أننا ديموقراطيون عتاة، وأننا نشكل في ذلك نموذجاً به تهتدي الأمم، ولا أن ديموقراطيينا معلمون يلقون دروساً. نحن أبعد عن ذلك بكثير. ولكن، في وسعنا أن ندّعي أن لنا ميلاً وانجذاباً يتنامى للفكرة الديموقراطية، وأن مساحاتها تتسع في المدرسة والمعمل والعائلة. اتساع الديموقراطية واكتساحها تلك المناطق صمام الأمان، فحين ينشأ الفرد على تلك المبادئ والأفكار لن يستطيع أحد أن يسلب منه ذلك الحق، لأنه غدا جزءاً من كيانه وهويته. التعويل على صلابة تلك المؤسسات هو أفضل طريق، فحتى فرط التفاؤل بالمجتمع المدني قد يكون في غير محله، أحياناً، فهذا المجتمع عادة ما يشهد استقطابا وتشتتا وتشيعا لهذا الطرف السياسي، أو ذلك، خصوصاً في مراحل التحول الديموقراطي الهش. وحدها التنشئة على الديموقراطية وجعلها من بنية المعتقدات الفردية والجماعية قد تمثل صمام الأمان.
طوت الحملة الانتخابية أمتارها الأخيرة، وباستثناء تجاوزاتٍ بسيطة، لم نشهد إخلالات، إلى حد الآن، تمس من سلامتها وجوهرها. تم إخراج العملية الانتخابية نهائياً من وزارة الداخلية، وتم تحييد الإدارة قانوناً وممارسة، وعد ذلك من الجرائم الانتخابية التي يعاقب عليها القانون والتجاوزات التي حصلت إما من ارتكاب الفاعلين السياسيين أنفسهم، على غرار قواعدها الحزبية غير المنضبطة، أو هي أعمال طائشة لأفراد من فاقدي الحس المدني السليم. لم يكن الأمر ممنهجاً. لذلك، غاب العنف الانتخابي أو كاد. هذه دروس علينا أن نراكمها، ولكن تظل مع ذلك أمامنا خطوات أخرى، وهي عديدة لتنقية المناخ الانتخابي، وزرع ثقافة الفرز الحر.
ونحن نذهب إلى صناديق الاقتراع، علينا أن نتأكد أن هناك منتصراً وحيداً، علينا أن ننحني له: وطن ناهض وديموقراطية ناشئة ومواطن حر. كنا نتمنى أن نذهب إلى الانتخابات، في مناخ سياسي وأمني أفضل، فالبيئة الانتخابية ومناخها لا يؤثران في نسب الإقبال على الانتخابات فحسب، بل قد يشكلان “على الطائر” مزاجاً انتخابياً، يملي على الناخب قراره. قد لا يختزن الأخير في ذاكرته الانتخابية القصيرة سوى تلك الأحداث، التي قد يقرأها وفق شبكة معدة سلفا.
ستجني أطرافٌ بعينها فائدة هذا الفيء الانتخابي. العملية الإرهابية، التي جدّت، أخيراً، في منطقة وادي الليل من أحواز العاصمة، وقتل فيها ما لا يقل عن ستة أشخاص من العناصر الإرهابية وأقاربهم، فضلاً عن استشهاد عون أمن، استطاعت، ولا شك، أن تحيد خطراً انتخابياً داهماً هو من العيار الثقيل. ولكن، نتمنى ألا تختزل الحملة الانتخابية في ذلك حصراً، فيتم تجريدها من كل ما عرض على الناخب في سوق انتخابي كان حافلاً. الإرهاب لعنة ومصيبة. لكن، علينا أن نحاصره، حتى لا يصبح النافذة الوحيدة، التي نطل منها على الحياة، ونحن ذاهبون إلى الصناديق، علينا أن نتذكر عنوان رواية الروائي والشاعر التركي ناظم حكت: “الحياة جملية يا صاحبي”. الانتخابات جميلة يا وطني.
* سياسي تونسي ووزير سابق “العربي الجديد”