الرئيسية / وجهات نظر / أزمة بعد أخرى
pizap.com14138880441535

أزمة بعد أخرى

تتدحرج علاقات البلدين الجارين، المغرب والجزائر إلى قاع بئر التوتر. وفي كل مرة يُقال: «فتش عن الحدود»، كونها مصدر الأزمات والارتدادات. اندلعت بسببها حرب الرمال في خريف عام 1963. وانفلت نزاع الصحراء من عقال الحدود الموروثة عن الاستعمار، ثم آلت خلافات متراكمة إلى إغلاق الحدود البرية الذي لا يزال مفعوله سارياً منذ عقدين.
حادث تعرض قروي مغربي من سكان الشريط الحدودي إلى إطلاق رصاص من الجانب الآخر، كان في الإمكان تطويقه، ضمن انفلاتات أمنية واجتماعية لا يكاد يخلو منها واقع الحياة على مشارف الحدود، إذ تنشأ نزاعات بين الأهالي بسبب الرعي والمواشي، أو تدفق منابع المياه أو غيرها. لكن توقيته ومصدر انبعاث الرصاص في وقت تعرف فيه علاقات البلدين توتراً مقلقاً، أضفى إليه بعداً أكبر من الحوادث التي تمر من دون ترك ندوب. فثمة جراح عميقة وشمت الحالة المغربية – الجزائرية بالحذر والمواجهة وعدم الثقة.
انتظر أهل المغرب والجزائر أن يبدأ العام الواحد والعشرون لإغلاق الحدود بإطلاق مبادرة جريئة لمعاودة إحياء وئام الجوار، في ضوء المضاعفات السلبية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على المسار الثنائي والإقليمي، فإذا بالرصاص يسبق العقل ويردي الآمال المعلقة على انبعاث روح جديدة، قوامها عودة الوعي بوحدة المصير المشترك وحسن الجوار ومتطلبات التعاون والتنسيق التي تفرض نفسها في مجابهة تحديات وتهديدات أمنية أكثر خطورة. المفارقة أن البلدين معاً استسلما إلى منطق القطيعة وشرعا في تسييج حدودها الشاسعة من الجانبين، عبر إقامة جدران من الأسلاك الشائكة والحفر الغائرة التي تحول دون تسلل المهاجرين غير الشرعيين وعناصر التنظيمات الإرهابية المتطرفة، وأغفلا على حد سواء بناء جدار الثقة الأقوى من الأحجار والحفر والأسلاك. فهناك تسلل آخر يصعب قياس مخاطره يأتي من حال التوتر والغليان وعدم ضبط النفس.
أخفق الجزائريون والمغاربة على حد سواء في مجرد الجلوس إلى طاولة المفاوضات لبسط القضايا الخلافية على تزايد حدتها. تارة يحتمون بالربط بين إشكالات معاودة فتح الحدود وحل نزاع الصحراء الأكثر تعقيداً. وتارة يدعون إلى الفصل بين الملفات الثنائية والإقليمية، وفي أخرى ينفضون اليد من أي توجه يروم تقريب وجهات النظر المتباعدة.
قضية الحدود ثنائية بامتياز، غير أنه على رغم انتفاء أسباب ودوافع إغلاقها، بما في ذلك إلغاء نظام التأشيرة على رعايا البلدين، أضيفت توجسات اقتصادية واجتماعية للحؤول دون تحقيق تطبيع الحدود. ما يفسر أن المشكل يراد في أقل تقدير لمعاودة نفض الغبار عن المسألة الحدودية تاريخياً وقانونياً، بخاصة أن معاهدة ترسيم الحدود وحسن الجوار التي يفترض أنها أنهت الخلاف حول القضية لم يتم التصديق عليها برلمانياً، وبين الفينة والأخرى ترتفع أصوات لناحية معاودة النظر في آليات تنفيذ المعاهدة التي بقيت حبراً على ورق، وإن كان مضمونها نفذ على الأرض وبقيت آلياته ذات التعاون في استغلال ثروات المناطق المتنازع عليها سابقاً عالقة.
قضية الصحراء خرجت عن الإطار، وأصبحت من صلب اختصاصات مجلس الأمن والأمم المتحدة، لكن التباين العميق حول مفهوم الحل السياسي، بين ضفتي الحكم الذاتي الذي تقترحه الرباط والاستفتاء الذي تدعمه الجزائر إلى جانب جبهة بوليساريو لم يترك المجال أمام حدوث اتفاق تاريخي. وإن كانت قرارات مجلس الأمن ذات الصلة تمنت على الأطراف المعنية ودول الجوار أن تتعاون ما بينها من جهة والأمم المتحدة من جهة ثانية لإحراز التقدم الذي يكفل الخروج من نفق المأزق المتواصل منذ حوالي أربعة عقود.
في كل القضايا يتراجع منسوب الثقة في مقابل ترفيع غرائز الحذر. وانسحب الموقف بالقدر نفسه من التناقض في التعاطي وتنامي الإرهاب في منطقة الساحل. وتنافس البلدان في استمالة المواقع على الساحة الأفريقية، ولم يبق إلا التعارض في التصدي لانتشار فيروس «إيبولا «. ما يعني أن التربة خصبة لاستيعاب أي مظهر للتنافر والصدام. لذلك يأتي حادث تعرض مواطن مغربي لطلق رصاص كأنما هو مطلوب لإشهاد العالم على أزمة تحرك سواكن العلاقات في المنطقة المغاربية.
يوم أعاد البلدان علاقاتهما الديبلوماسية في نهاية ثمانينات القرن الماضي، فعلا ذلك بقناعة أن لا حوار من دون آليات وقنوات ديبلوماسية تكفل التواصل. حتى عندما يتعلق الأمر بإبداء بعض العتب. غير أنهما اليوم يستدعيان سفراءهما، لا من أجل البحث في سبل التغلب على صعوبات التطبيع الإيجابي، وإنما لتسجيل نقاط الاحتجاج والإدانة والاستنكار. أليس ذلك مظهراً لعجز ديبلوماسي كبير؟ بالنظر إلى طبيعة التحديات التي تواجه البلدان والمنطقة بأسرها؟
“الحياة” اللندنية