الرئيسية / وجهات نظر / الأوضاع الليبية وتأثيرها على مصر
pizap.com14138863100774

الأوضاع الليبية وتأثيرها على مصر

أن الملف الليبي له أهميته باعتبار ليبيا دولة شقيقة ولها تأثير على حدود مصر الغربية من حيث تأمين هذه الحدود وعدم تعرض الحدود المصرية لأي نوع من الاختراق يهدد الأمن القومي المصري لأنة يتم النظر إلى النطاق السياسي الجاري نتيجة الانتخابات والجهود المبذولة لعقد المؤتمر الوطني باعتبارها بادرة وبداية لانفراج الأزمة إذا استطاع الشعب الليبي أن يلتف حول وحدته والحفاظ على مصالحه. تمر ليبيا مثل باقي دول الربيع العربي بمرحلة “ما بعد الثورة”، وهي المرحلة التي تشهد حالة من عدم الاستقرار والتغير العشوائي علي الأصعدة السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية. وتعتمد مرحلة “ما بعد الثورات” علي عدة عوامل تتحكم في مخرجاتها النهائية مثل هيكل الدولة، ونمط الثورة، وحجم التدخل الدولي وطبيعته، والنخب السياسية الفاعلة في المجتمعات والدول المختلفة. ونظراً لاختلاف هذه العوامل في ليبيا عن سائر دول الربيع العربي، نجد أن ليبيا في مرحلة فريدة نوعاً ما، لم تشهدها الدول المجاورة لليبيا والتي شهدت ثورات وانتفاضات اجتماعية وسياسية كمصر وتونس. وفي سياق التعامل مع الأوضاع غير المستقرة في ليبيا، والتي بدأت في تشكيل تهديدات إقليمية تتزامن مع سائر المشكلات السياسية والأمنية علي الصعيد الإقليمي، عقدت دول جوار ليبيا اجتماعاً لوزراء الخارجية في مدينة الحمامات في تونس حضره وزراء خارجية (أو ممثلين عنهم) كل من تونس، والجزائر، ومصر، والسودان، وتشاد، والنيجر، وممثلين عن جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي. وكالعادة، جاءت الدعوة لهذا الاجتماع لمواجهة الخطر الإقليمي الناتج عن عدم استقرار الأوضاع في ليبيا، ووقف عمليات العنف التي تهدد وحدة التراب الليبي وسلامة المواطنين. وكعادة الدول المجاورة لليبيا، لم تختلف النتيجة النهائية لهذا الاجتماع عن الاجتماعات المشابهة التي سبقته مجمل الوضع في ليبيا مرشح للتصاعد في حالة استمرار السجال السياسي والأزمة الاقتصادية لاسيما أن التلاسن الدائر بين الفصائل السياسية حول شرعية رئيس الوزراء القادم أحمد معيتيق أن رئيس الوزراء السابق لن يكون أفضل حالاً من سابقيه، بل تجري محاولة لإضعافه رغم أنه يحظى بدعم فصائل التيار الإسلامية متنامية النفوذ في العملية السياسية في ليبيا مع ضرورة وجود دعم لمعيتيق من قبل الفرقاء السياسيين ضروري جدًا للعبور بالبلاد من المأزق الشديد الذي تعاني منه نحو استعادة دور الدولة وبسط هيمنتها على كافة أرجائها، مشددًا على أهمية إيجاد تسوية لأزمة حقول النفط في الشرق لكون سيطرة المسلحين عليها يضر بالاقتصاد الليبي، ويعرض البلاد لأزمة شديدة في المعابر. ونبه لأهمية أن تستفيد القوى المتصارعة من دول الجوار سواء في مصر وتونس للخروج من المأزق الحالي، فنهج المغالية أضر بالتيار الإسلامي ضرراً بالغاً في مصر، فيما نجحت سياسة التوافق وتقديم تنازلات متبادلة في الخروج في تونس بالبلاد من أزمتها وهو سيناريو يتمني الجميع تكراره ولاسيما أن هناك تيارات إسلامية في ليبيا ومنها التيار السلفي تأبي الدخول في المهاترات السياسية وقوى وطنية شريفة ترفض أي دور لفلول القذافي والرهان على هؤلاء يمكن أن يخرج البلاد من أزمتها. إن مصر لابد أن يكون لها “دور” في محاولة وضع الأزمة الليبية على طريق الحل، بمشاركة دول الجوار الجغرافي الليبي.. على الأقل، من منظور الأمن الوطني المصري، الذي تُمَثِل ليبيا قنبلة موقوتة على حدوده الغربية. أن مبدأ الدفاع النفس يمكن تطبيقه في حالة قام أي فصيل يتمركز داخل ليبيا في توجيه ضربات عسكرية لمصر “وهذا أيضا غير وارد”، “فهذه التنظيمات والفصائل تدرك جيدا قيمة وقوة الجيش المصري وتعلم أن نهايتها ستكون على يديه لو فكرت في الهجوم”. أن “مصر لن تتورط من تلقاء نفسها في حرب بليبيا لأن هذا يمكن أن يكون فخا أو كمينا منصوبا بإحكام لجر الجيش المصري واستدراجه إلى معارك خارجية واستنزاف قدراته خارج الحدود مع جماعات الإرهاب التي انتشرت في منطقتنا، إضافة إلى تصعيد المعركة في الحدود الغربية من أجل رفع الضغط على جبهة سيناء”. تتسارع الأحداث يوما بعد يوم في ليبيا بسبب تدهور الأوضاع الأمنية التي عرفت منعرجا خطيرا زادت حدته أواخر شهر رمضان المنصرم وارتفع عدد القتلى بشكل رهيب حيث يفوق عددهم يوميا 20 بين أفراد قوات الجيش وعناصر الجماعات المسلحة والمواطنين. وتأزمت الأوضاع في ليبيا أكثر خلال الأيام السابقة، خاصة في محيط مطار طرابلس حيث تشتد المعارك التي اندلعت بين الميليشيات المتنافسة منذ منتصف جويلية، وسقط ضحيتها حتى الآن حوالي 100 قتيل. وحسب أخر المستجدات فقد اجتاحت الجماعات المسلحة بداية الأسبوع الجاري قواعد أمنية هامة خاصة في بنغازي وذلك بعد معارك تستعمل فيها مختلف الأسلحة من صواريخ وطائرات حربية تسفر عن قتل العديد من الأشخاص وتخلي القوات الأمنية عن معسكراتها بعد تعرضها لهذه الهجومات. ووصفت الحكومة الليبية الوضع في العاصمة طرابلس بـ«الخطر جدا» وحذرت من كارثة بيئية بعد اشتعال خزانين للوقود يحتويان على ملايين من اللترات من المحروقات اثر تعرضهما لقصف صاروخي، مناشدة المجتمع الدولي تقديم المساعدة، بعد الحرائق الناجمة عن اشتباكات ومواجهات للسيطرة على عدة مرافق حساسة. وأدت هذه الأوضاع إلى إجلاء العديد من الرعايا ومنها فرنسا التي أجلت أمس 47 فرنسيا وبريطانيا من ليبيا عبر البحر، وقد دعت بداية الأسبوع الجاري رعاياها في ليبيا، وعددهم أقل من 100، لمغادرة البلاد وطلبت منهم التواصل بأسرع وقت ممكن مع السفارة في طرابلس. كما طلبت دول أوروبية عدة، من بينها بريطانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا، من مواطنيها مغادرة ليبيا وأعلنت إيطاليا أنها سهلت مغادرة 100 من رعاياها ومواطني دول أخرى عبر طائرة عسكرية إيطالية، ثم عبر البر عن طريق تونس. وأجلت الولايات المتحدة كل الموظفين من سفارتها في ليبيا برا إلى تونس بمساعدة الجيش الأمريكي. منذ عام 1969، عانت ليبيا من المركزية المفرطة للسلطة ومن التلكؤ في إدارة عائداتها النفطية الوفيرة. كما عانت من الغياب التام لمؤسسات الدولة الحديثة، وعدم الانسجام العميق للسياسات الاقتصادية ما أدى إلى تهالك البنية التحتية وتردي الخدمات الاجتماعية وندرة فرص البادرة الفردية في ظل بيئة استثمارية منفرة لا تخضع لأي ضوابط قانونية شفافة. ولطالما شعر الليبيون بالإحباط نتيجة تدنى المستويات المعيشية لفئات عريضة من المجتمع، لا سيما خلال العقد الأخير فغالبية المواطنين لم تشعر بأي تحسن بعد رفع العقوبات الدولية المفروضة على بلدها عام 2004، كما لم تنعم بالتدفقات المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة، إذ اقتصرت دائرة المستفيدين على أبناء القذافي وبني عشيرته الذين نالوا حصة الأسد من الاستثمارات والمشاريع المستحدثة. والاقتصاد الليبي اقتصاد نامي يتميز بالازدواجية ، أي وجود قطاعات متطورة “وبالتحديد قطاع النفط والغاز” وقطاعات أخرى متخلفة وما يتبع ذلك من وجود خلل هيكلي كبير داخل أرجاء هذا الاقتصاد، حيث يعاني الاقتصاد الليبي من ضعف وتدني الإنتاجية في القطاعات الغير نفطية وأهمها قطاعي الزراعة والصناعة، واللذان يساهمان مع قطاع الخدمات بنسبة أقل بكثير من مساهمة قطاع النفط والغاز في الناتج المحلي الإجمالي والذي تتعدى نسبة مساهمته حوالي 70% حسب بعض التقديرات. ولذلك، فإنه لايتوقع أن يتم الاعتماد على تلك القطاعات الغير نفطية في توليد مصادر بديلة للدخل النفطي وتوفير فرص كبيرة خاصة بالعمل. وعلى الرغم من وجود إيجابيات في عهد نظام القذافي متعلقة بنمو الناتج المحلي ، وارتفاع نصيب الفرد من الدخل القومي، وكذلك تحقيق فائض في الميزان التالنفطية.2010 وصل إلى حوالي 20 مليون دولار، والاستقرار النسبي في الأسعار وقيمة العملة الوطنية بعد توحيد أسعار الصرف عام2002، إلا أن ذلك لايستطيع أن يخفي عدة حقائق هامة تعد تحديا لعملية الإصلاح، لعل أبرزها: ضعف وتدني مستويات التشغيل في القطاعات الاقتصادية الليبية وتدني إنتاجية هذه القطاعات وتدنى مستوى المعيشة الحقيقي بسبب سوء إدارة الحكومة للموارد النفطية. ارتفاع نسبة الواردات إلى إجمالي الناتج المحلي وعدم مرونة الصادرات الرئيسية (النفط والغاز) بسبب اعتمادها على سياسات سوق النفط العالمية. ضعف الطاقة الاستيعابية للاستثمارات الأجنبية وتركزها بشكل رئيسي في قطاع النفط وضعف مساهمة القطاع الخاص في هذه الاستثمارات بالإضافة إلى القدرة المحدودة جدا للمنتجات المحلية الليبية على المنافسة الدولية، فضلا عن عدة مشاكل هيكلية وتنظيمية متعلقة بالفساد المالي والإداري وعدم وجود إرادة حقيقية لصناعة أي تنمية اقتصادية “دنيا الوطن”