الرئيسية / وجهات نظر / نحو حل قضية الصحراء (3): القوى الكبرى وبؤر التوتر في العالم
8fae83f658c731b667a2eb1226cc9cfe

نحو حل قضية الصحراء (3): القوى الكبرى وبؤر التوتر في العالم

 

إن الصراع الدائر اليوم بين القوى الكبرى يجعل من الصعب أن تحظى قضايا السلام والعدل وحل النزاع بالتعاطف والدعم المطلوب من تلك القوى لأن مصالحها الاستراتيجية تحتم عليها أن تنظر إلى بؤر التوتر بوصفها أدوات لإدارة الصراع فيما بينها والمقايضة على حساب الشعوب الفقيرة والمنكوبة. لقد توصلت إلى هذا الاستنتاج بناء على متابعتي لتطورات القضية الفلسطينية وحوارات أجريتها وعمليات تفاوض قمت بإدارتها وندوات فكرية شاركت فيها شملت أمريكيين وروس وصينيين وبريطانيين وفرنسيين ويهود وغيرهم. ويمكن القول بالتحديد أن أمريكا والصين وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل ليست معنية بحل أي نزاع كان، بل قد تكون معنية أكثر بتعميق النزاعات القائمة وخلق نزاعات جديدة تمكنها من تعزيز نفوذها السياسي ومصالحها الاقتصادية وزيادة صادراتها من الأسلحة لبعض الدول الغنية والفقيرة.
كانت أمريكا ولعدة عقود متتالية تملك كل مفاتيح حل الصراع العربي الصهيوني، لكن أمريكا لم تعمل بأمانة على انهاء ذلك الصراع لعدة أسباب أهمها عدم رؤية النخبة الحاكمة الأمريكية أن حل ذلك الصراع يخدم مصالحها. ومع اطمئنان قادة الحركة الصهيونية إلى الموقف الأمريكي إلا أنها واصلت جهودها الحثيثة للهيمنة على مختلف نواحي الحياة الثقافية والإعلامية والسياسية في أمريكا بشكل مكنها من استعمار العقل الأمريكي بوجه عام والسيطرة على صنع القرار السياسي الخاص بالشرق الأوسط بوجه خاص. ولقد جاء الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله عام 2003 وتدمير ما كان لديه من بنى تحتية مادية واجتماعية وثقافية وعلمية بهدف السيطرة عليه والتحكم في نفطه واستغلال موارده الطبيعية وتعزيز أمن إسرائيل. وحين أدركت الحكومة الأمريكية أن جهودها لن تكلل بالنجاح لجأت إلى تقسيم العراق وفرض دستور عليه يقوم على الطائفية بهدف ضمان فقره وضعفه وتفككه وسيادة شعور متبادل بين مكونات المجتمع العراقي يقوم على الشك المتبادل والعداء الذي يحول دون التعاون من أجل الصالح العام.
ومن الأمثلة التي تثبت توجه الدول الكبرى إلى الحيلولة دون حل النزاعات الدولية ما قاله السيد بريجنسكي في إحدى مقابلاته التلفزيونية. قال ذلك المفكر الذي عمل مستشاراً للرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي حين سئل عن الأوضاع المتوترة في شبه القارة الكورية: “إن الوضع الراهن هو الحل الذي يخدم المصالح الأمريكية”. وإذا نظرنا إلى موقف أمريكا من قضية كشمير ندرك أن النخبة الحاكمة ربما تفضل موت آلاف الجنود الأمريكيين في باكستان وأفغانستان على أن تقوم بالتوسط لحل تلك القضية، علماً بأن جذور التطرف الإسلامي في باكستان تعود أساساً إلى أزمة كشمير بين باكستان والهند. ومع أن علاقة أمريكا المتينة مع الهند لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلاقات بين البلدين، وأن النخبة الأمريكية الحاكمة تمنح نفسها حرية استباحة باكستان أرضاً وشعباً وأمناً من دون اعتبار لمشاعر الشعب الباكستاني أو مصالحه، إلا أنني لم أسمع الرئيس أوباما بعد مرور حوالي 6 سنوات على حكمه يتفوه بكلمة كشمير ولو مرة واحدة.
من ناحية أخرى، تُصر الصين وروسيا على تعطيل مشاريع أمريكا ودول أوروبا الغربية المتعلقة بالأزمة السورية في عملية يقصد منها إفشال أمريكا وإظهارها بمظهر العاجز عن فعل أي شيء كان. لكن لا الصين ولا روسيا طرحت حلاً واقعياً للمشكلة السورية ما يجعل موقفها يطيل أمد الأزمة ويُسهم في زيادة ضحايا الشعب السوري وآلامه. وفي حوار مع أحد صناع القرار في الصين سألته عن موقفهم تجاه كوريا الشمالية وعن سبب عدم قيامهم بمساعدتها كي تنمو وتتخلص من المجاعات، علماً بأن عملاً كهذا من شأنه أن يروج للنموذج التنموي الصيني ويعزز المقولة التي تدعي أن نموذج الحياة الصينية عالمي وليس خاصاً. كان جواب المسئول الصيني هو الصمت وتغيير الموضوع. وعلى الرغم من علاقات فرنسا القوية مع المغرب والجزائر، فإن النخبة الحاكمة الفرنسية لم توظف جزءاً ولو بسيطاً من نفوذها لدى النخب الحاكمة في المغرب والجزائر في محاولة جادة لحل مشكلة الصحراء. وفي سبيل خلق مشكلة جديدة للعرب تشغلهم عن قضايا التنمية والحرية وتعمل على تعميق خلافاتهم واستنزاف مواردهم النفطية قامت أمريكا وبريطانيا بإقناع دول الخليج العربية بأن عدوها الأول هو إيران وليس إسرائيل.
تثبت هذه الأمثلة أن الدول الكبرى غير معنية بحل مشاكل العالم، وأن بعضها يعمل بوعي على تكريس المشاكل خدمة لمصالح ذاتية على حساب دماء وأموال الشعوب الفقيرة. وتستهدف تلك السياسة تعطيل مسيرة الشعوب الفقيرة نحو التنمية والتحرر وتعميق تبعيتها لغيرها من دول كبرى. وكما يشير هذا التحليل، يبدو أن الدول الاستعمارية القديمة والجديدة تحالفت لتخص العالم العربي بأكبر عدد ممكن من المشاكل الإقليمية سعياً للسيطرة على موارده وإفقار شعوبه وتكريس تخلفه خوفاً من نهضة عربية تعيد العرب للمشاركة في صنع التاريخ. لذلك قاموا بخلق ثلاثة مشاكل عويصة للأمة العربية: الأولى في قلب الوطن العربي على شكل صراع عربي صهيوني حول فلسطين، والثانية في أقصى الغرب تتمحور حول الصحراء بين المغرب وجبهة البوليساريو التي تدعمها النخبة العسكرية في الجزائر، والثالثة في أقصى الشرق تتمحور حول علاقة السنة بالشيعة وغرس بذور عداء عربي إيراني مستحكم. ولقد جاء غزو إيران لثلاث جزر إماراتية لتعطي القوى الاستعمارية سبباً إضافياً لإثارة مخاوف العرب وتعميق أسباب التناحر بينهم وبين إيران. إن قيام النظام الإسلامي في إيران باحتلال جزء من الوطن العربي جعله يقوم بمساعدة القوى الاستعمارية على تحقيق أهدافها في منطقة الخليج على حساب العرب والإيرانيين معا.
وإذا نظرنا إلى ما يجري اليوم في معظم الدول العربية فإننا سوف نكتشف أن النخب الحاكمة تلعب الدور الذي صممته لها القوى الاستعمارية القديمة والجديدة بامتياز واعتزاز. وهنا من حقنا أن نتساءل هل هو اعتزاز بنجاحها في تكريس الحدود المقيتة التي صنعها الاستعمار لتجزئة الوطن العربي والهيمنة عليه واستغلال موارده ؟ أم أنه اعتزاز بقدرة تلك النخب على تزييف وعي الجماهير العربية المنكوبة وسرقة الحلم من عيون الأجيال القادمة في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والنهضة ؟ أم أنه قبول بالمذلة لجهلة موتورين يحملون لقب عضو كونجرس كي يحافظوا على عروش لن تدوم طويلاً إلا بعكس هذه المواقف رأسا على عقب ؟
إن انتظار قيام دولة كبرى بطرح مبادرة خلاقة لحل نزاع دولي بطرق سلمية هو خيال يتجاوز حدود المحتمل في عالم تحكمه مصالح مجردة من القيم. ولما كانت تلك القوى هي المسئولة أصلاً عن خلق المشاكل، فإن من كان جزءاً من مشكلة لا يمكن أن يكون جزءاً من حلها. لذلك وجب على كل الأطراف التي تعاني من نزاعات تستنزفها وتعيق تقدمها أن تستخدم الوسائل الدبلوماسية السرية والعلنية للتواصل فيما بينها من خلال دول صديقة ومنظمات غير حكومية وشخصيات قيادية والعمل معاً بروح إيجابية لحل ما يُعكر صفو علاقاتها من مشاكل. وعلينا أن ندرك أنه لا يوجد لجيران يعيشون في بيئة مشتركة أعداء بل أصدقاء محتملين حالت ظروف غير طبيعية دون تعارفهم وتآلفهم. وهنا أود أن أُذكّر كل طرف في نزاع دولي أن اتفاقية أوسلو سيئة الذكر جاءت نتيجة لمباحثات فلسطينية إسرائيلية سرية دون علم أمريكا أو غيرها من دول فيما عدا النرويج التي استضافت المباحثات. وأن الحوار الفلسطيني الأمريكي جاء بمبادرة فردية قمت بها شخصياً دون علم أي طرف عربي أو غير عربي. وفي الواقع حين طرحت معادلة لاعتراف أمريكا بمنظمة التحرير الفلسطينية وبدء حوار معها، حصلت على موافقة جورج شولتز وزير خارجية أمريكا قبل أن يعلم ياسر عرفات بالأمر.
إن على من يرغب في قراءة قصة الحوار أن يزور موقعنا الالكتروني.  www.yazour.com وهناك سيجد الزائر حكاية الحوار الفلسطيني الأمريكي منشورة في كتابين أحدهما باللغة الإنجليزية والآخر باللغة العربية. لذلك كان على من يريد حلاً لمشكلة يعاني منها أن يبادر إلى البحث عن حل يقلل ما يتكبده من خسائر دون أن ينظر إلى خسائر الطرف الآخر، لأن المشاكل المشتركة لا تفرق بين طرف وآخر، بل تعاقب كل المشاركين فيها وإن وزعت مكونات العقاب غالباً بصورة غير عادلة.

* أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في عدة جامعات عربية وأمريكية من بينها جامعات جورجتاون وجونز هوبكنز والجامعة الأمريكية في واشنطن. وجامعة الأخوين في المغرب وجامعة الكويت، له عشرات المؤلفات في اللغتين العربية والإنجليزية في الاقتصاد والسياسة وحل النزاع والثقافة والاجتماع وفلسفة التاريخ، كما هو أكثر من رواية وقصة ومجموعة شعرية. www.yazour.com