الرئيسية / وجهات نظر / خطوة جريئة من العبادي تنقذ العراق
e785f224d729e38e17b33d5a16df1ff2

خطوة جريئة من العبادي تنقذ العراق

 

يبدو أن السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء الجديد الذي خلف المالكي بدأ يشق طريقه نحو الشمس، وقد دار ظهره لدهاليز الظلام، ومساره يختلف عن مسار سابقه، ويبدو أن العراقيين بدؤوا يشعرون بالفرق وتزداد ثقتهم به ويلتفون حوله يوما بعد يوم، وأن الخط البياني لحدة الاحتقان الطائفي بدأت بالانحدار ولو ببطء، وهناك بارقة أمل يعقد عليها العراقيون حلمهم بالتعافي، ولاسيما أنه يحظى بدعم عربي ودولي لم يكن لسلفه، وصفحة الرجل فيما مضى كانت نظيفة على غير ما عرفنا من زملائه في التحالف الوطني، فتربية الرجل الأسرية تختلف عن سياق التربية التي لقاها المالكي.
لقد صاحبت الدكتور جواد العبادي رحمه الله والد حيدر العبادي حينما كان يعمل في مفتشية الصحة العامة بداية سبعينيات القرن الماضي أربع سنوات، وكانت تضم خيرة أطباء العراق المعروفين بحسن الإدارة الصحية وكنت وقتها مديرا لمكتب المفتشية العامة رغم أني أصغر العاملين فيها سنا، ومن حكمتهم أفدت كثيرا، كان رجلا بسيطا وديعا صادقا، نظيف السريرة يؤلَف بسهولة، ولا يذكر سيرة أحد بسوء، ويتجنب الحديث بالسياسة، وكنا كثيرا ما نجلس أخر الدوام بغرفة الدكتورة نزيه الدليمي أول وزيرة عراقية في زمن قاسم وكانت على خلق عال وأدب جم، كان يمر فيرانا ويسلم من الباب، وينأى بنفسه عن مشاركتنا الحديث الذي غالبا ما كان يدور حول تاريخ العراق، ثم نقل إلى مدير مستشفى الجملة العصبية قرب ساحة النهضة، فما عدت أراه.
ولعل السيد حيدر جواد العبادي على سر أبيه وعلى شاكلته، لا يحب الحديث كثيرا، ولا يدخل نفسه فيما لا يعنيه، يعتمد على الاستشارة ومتمهل وحذر في اتخاذ القرار، وكثير من العراقيين اليوم يستبشرون الخير بالرجل لكنه كما يظهر ما زال محاطا بفريق من رفاقه القدامى يضغطون عليه، ولم تحن ساعة الخلاص التي يتحرر بها من عقالهم، فالمالكي قبل أن يغادر مكتب القائد العام الذي ألغاه العبادي كان قد اعد العدة خلال حكمه ثمان سنوات لإحكام الطوق أو القيد على من سيخلفه، وبصفته رئيس التحالف الوطني الذي يضم العبادي مازال متنفذا ومؤثرا، ويحسب العبادي له حسابه، كما أن منصب المالكي الجديد نائب رئيس الجمهورية منحه قدرة على أن يضع يده في الخرج ويلعب بأصابعه من خلف الرئيس، لكن شعبية العبادي اليوم تطغى على شخصية المالكي، والأمريكان يدعمون العبادي بقوة، وباتوا القوة الأولى في النفوذ وليس إيران بسبب تزعمها تحالف محاربة داعش التي تحتل ثلث مساحة العراق، ولذلك لن يجرؤ أحد على مناكفة العبادي جهرا وجها لوجه، فإذا أراد أن يكون صانع القرار ويمارس واجباته وصلاحياته والأمر أمره عليه اغتنام اقرب فرصة للتخلص من نفوذ  الوجوه القديمة التي لم تعد مرغوبة للشعب العراقي.
إن الخطوة التي ينبغي للعبادي أن يتخذها بحزم تشكل فيصلا بين نظامين نظام فاسد عفن أجرم بحق العراقيين فرق شملهم، ذبح أبناءهم واستحيى نساءهم واستحل أموالهم وكان وبالا عليهم، ونظام جديد يتطلع إليه العراقيون بشغف لإعادة اللحمة العراقية وتأسيس عراق جديد يحتل مكانه وموقعه بين أشقائه العرب، هي حل البرلمان, وتشكيل حكومة إنقاذ وطني  من 12-18 وزيرا، يختارهم بنفسه بعيدا عن التوافقات والمحاصصة “حملني وأحملك” وزارة يتخلص فيها من مراكز الثقل التي يتمتع بها الوزراء الحاليون، ويتحمل هو مسؤوليتها.
الانتخابات البرلمانية الماضية جرت في ظروف غير طبيعية، ست محافظات كانت ساخنة بسبب الانتفاضة على حكم المالكي و80% من سكانها مهجرين، وثلث بغداد غمرتها مياه النهر الذي حوّل مجراه؟ وإذا كان الطلبة لا يستطيعون أداء الامتحانات المدرسية والجامعية النهائية، أكانوا يستطيعون الانتخاب؟ أمام حكومة العبادي تركة ثقيلة مسحها يحتاج إلى هذا القرار الجرئ، فالمزاج الشعبي قد تغير مع تغيير المالكي، والنعرة الطائفية خفت حدتها، فما عاد البرلمان يمثل الشعب، لذلك نحن بحاجة إلى لجنة وطنية لصياغة قانون جديد لانتخابات السلطة التشريعية والرئاسية مباشرة من الشعب بعيدا عن نظام القائمة الواحدة ويختلف عما هو موجود. لقد أصبح البرلمان معطلا للمصلحة الوطنية العليا، فالبلد بحاجة إلى استتباب الأمن وتعيين وزير دفاع وداخلية والبرلمانيون يتصارعون على الكراسي، والوزارة الحالية قائمة على المحاصصة الطائفية والعنصرية وكل وزير يقرب طائفته ويقصي الآخرين فكيف يمكن تخفيف التوتر والاحتقان؟
إن العراق اليوم على كف عفريت وبحاجة إلى حكومة قوية متماسكة رصينة تلم الشمل وتجمع ما تفرق وليس حكومة مترهلة ملغومة بالاختلافات يتبادل وزراؤها التهم بالخيانة والفساد ومناصب تباع وتشترى، البلد بحاجة إلى هذه الخطوة الجريئة لإنقاذ ما تبقى منه واستعادة ما ضاع، قبل فوات الأوان والزمن لا يرحم، وإذا عزمت فتوكل على الله.
” البلاد” البحرينية