الرئيسية / وجهات نظر / نحو حل قضية الصحراء (1): مغربية الصحراء
3d625aff669e61e0cc2394078fe7b5b7

نحو حل قضية الصحراء (1): مغربية الصحراء

 

قضية الصحراء ليست صراعاً بين دولتين متجاورتين فحسب، بل قضية محورية ذات أبعاد عربية وإقليمية ودولية في غاية الأهمية. إذ تشير مواقف القوى الاستعمارية القديمة والجديدة إلى أن تلك القوى تنظر إلى قضية الصحراء بوصفها كرة تتناقلها اقدام لاعبين محترفين يمارسون رياضة تعود عليهم بالمتعة والنفع، ما يجعلهم يستثمرون بعض وقتهم فيها حتى تعمر ويرثها أبناءهم من بعدهم. وهذا يعني أن تلك القوى لن تقوم بمحاولة جادة لإيجاد حل واقعي وإنساني لتلك القضية، بل ستعمل على التلاعب في مشاعر المعنيين بها واستنزاف قواهم وإحباط آمالهم في استتباب الأمن وتحقيق استقرار يعود على الجميع بالخير. إن الحفاظ على الأمر الواقع باعتبار أن الزمن كفيل بحل هذه المشكلة في المدى الطويل هو موقف لا يأخذ في الاعتبار موازين القوى وصراع الدول الكبرى على مناطق النفوذ في العالم، ما يعني أن من شأن التباطؤ أن يؤدي إلى تعقيد المشكلة وفتح المجال أمام القوى المعادية لتغذية الصراع واستغلاله على حساب الصحراويين والمغاربة والجزائريين.
حين تفجرت قضية الصحراء قبل حوالي أربعين سنة كنت أستاذا في جامعة الكويت أدافع بقوة عن حق الشعوب العربية في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية وتحرير الإنسان العربي من الفقر والجهل وظلم أنظمة الحكم الفاسدة المُستبدة، وتحرير الوطن العربي من الاستعمار والترعية، والقضاء على الوجود الصهيوني. كان المثقفون العرب في ذلك الزمن قد انقسموا إلى فريقين متنافسين إن لم يكونا متناحرين، وقف أحدهما إلى جانب “أنظمة الحكم العربية الرجعية”، فيما وقف الفريق الآخر إلى جانب “أنظمة الحكم العربية التقدمية”. ولما كان نظام الحكم الجزائري حينئذ مصنفاً ضمن قائمة الأنظمة التقدمية فيما كان نظام الحكم المغربي مصنفاً ضمن قائمة الأنظمة الرجعية، فإن غالبية القوى التقدمية العربية انحازت إلى جانب الجزائر وضد المغرب. لكن موقفي الذي اعتبر كل التصنيفات عشوائية ومرحلية وغير علمية، دفعني إلى الانحياز إلى جانب المغرب.
أثار هذا الموقف بعد نشره في الصحافة الكويتية ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية ردود فعل لدى الكثير من المثقفين العرب الذين تواجدوا على الساحة الكويتية، ومن بينهم عدة أصدقاء وزملاء في الجامعة. ولقد وصل النقد حداً جعل البعض يتهمني بالازدواجية التي تعكس نفسها في الانحياز إلى جانب نظام حكم “رجعي” فيما أدافع عن حقوق الفقراء والمظلومين والحريات العامة. لكن القضية، كما شرحتها ردا على تلك الاتهامات تعكس موقفاً يتجاوز الآني إلى المستقبلي ويصب في نفس الموقف المبدئي الذي تمسكت به طوال حياتي ولم أتنازل عنه أو أساوم عليه يوماً ما.
إن دعم تحرر جزء من الوطن العربي من الاستعمار والتمسك بوحدة التراب العربي هو أهم موقف مبدئي يمكن أن يتخذه مثقف أو سياسي أو إنسان عربي واعي. أما مواقف أنظمة الحكم وسياساتها فلا يمكن لها أن تستقر على حال، إذ من الممكن أن يتحول نظام حكم “رجعي” إلى نظام “تقدمي” والعكس صحيح أيضا، ما يعني أنه لا يجوز أن يكون دعم أي نظام أو معاداته موقفاً مبدئياً بحد ذاته. أما القيام بتأييد فصل جزء من التراب العربي عن أصله فيعتبر خطيئة كبرى لأن قرار الفصل من شبه المستحيل الرجوع عنه. كما أن انفصال الصحراء بحجة إثنية فيه رفض لمبدأ التعددية الثقافية وجرح لوحدة الشعوب العربية ومشاعرها الوجدانية، وخلق كيان هزيل لا ينصف المغاربة أو الصحراويين يُستخدم أداة ضد طموحات شعوب منطقة شمال إفريقيا العربية وغير العربية. الآن لا أعتقد ان هناك بلداً عربياً يتمتع بحرية شخصية وتعددية ثقافية وحرية تعبير عن الرأي وتسوده ثقافة تتصف بالتآلف أكثر من المغرب على الرغم مما يعاني منه نظام الحكم المغربي من نواقص، ما يعني أن الموقف المبدئي المتعلق بوحدة التراب العربي والموقف التقدمي المتعلق بالحريات العامة تقاربا كثيراً في المغرب ليصبحا موقفاً واحداً إلى حد بعيد.
وإذا كان موقف المغرب من قضية الصحراء يحظى اليوم بشبه اجماع عربي فلماذا تتعثر خطى الحكومة المغربية في ايجاد حل ينهي الصراع ويضع حدا لعملية الاستنزاف التي يعاني منها أبناء الصحراء والمغرب عامة ؟ هذا سؤال هام قد تشكل حيثيات الإجابة عليه معالم طريق تقود إلى حل هذه المشكلة وعودة الاستقرار والسلم الاجتماعي والاطمئنان إلى نفوس الجميع. وهنا أود أن أضيف أن اختلاطي بالطلبة المغاربة المنتمين إلى مختلف الطبقات الاجتماعية والفئات الثقافية والإثنية بما في ذلك الصحراويين أقنعي بأن كل أبناء المغرب يؤيدون سياسة بلادهم فيما يتعلق بقضية الصحراء. ولقد جاء اختلاطي بهؤلاء من خلال عملي أستاذاً في كل من جامعة الأخوين ومدرسة الحكامة الاقتصاد في الرباط وإلقاء عدة محاضرات في جامعات مغربية أخرى. وهذا يعني أن بإمكان الحكومة المغربية أن تتحرك بشكل دينامي مرن، وتوظيف كافة عناصر القوة لديها لحل هذه المشكلة بالسرعة الممكنة. إن المغرب شعباً ووطناً يتعرض لعملية استنزاف مريرة ومكلفة من النواحي المالية والاقتصادية والسياسية والنفسية والإنسانية، ما يفرض على القيادة المغربية أن تأخذ زمام المبادرة وأن لا تلتزم بمواقف جامدة وأن لا تستمع لنصائح أعداء لا هدف لهم سوى حماية مصالحهم على حساب مستقبل المغرب وقوت شعبه.
لقد طرح المغرب قبل سنوات تصوراً لحل يقوم على منح الصحراويين حكماً ذاتياً، لكن مجلس الأمن الدولي لم يعتمد المشروع المغربي كي يصبح قراراً دولياً مُلزماً للأطراف المعنية. كما أن المغرب ما يزال يأمل في قيام أمريكا أو غيرها من دول كبرى بالاقتناع بوجهة النظر المغربية والضغط على الأطراف المعنية لحل هذه المشكلة بطريقة سلمية. فهل الخطة المغربية واقعية أم مجرد أمل يقع ضمن دائرة المُحتمل؟ وهل على المغرب أن ينتظر تدخل القوى الكبرى لحل هذه المشكلة؟ إن عملية البحث في هذه الإشكالية تستوجب النظر إلى مواقف الدول الكبرى من القضايا الدولية الهامة الأخرى.
مما لا شكل فيه أن لدى القوى الكبرى القدرة على حل هذه المشكلة، كما أنه كان لديها خيار عدم خلقها أصلاً وخلق غيرها من مشاكل مثل المشكلة الفلسطينية والكورية والكردية ومشكلتي كشمير وقبرص والمشاكل الحدودية بين العديد من الدول المتجاورة العربية وغير العربية. لكن تلك القوى اختارت عن وعي سياسة “فَرّقْ تَسُدْ” أي تفرقة الشعوب المُستعمرة كي تضمن السيطرة عليها واستغلال مواردها والتحكم في مستقبلها، ما دفع تلك القوى إلى خلق المشاكل والعمل على تعطيل حلها بكل الطرق الممكنة. ويبدو أن بعض تلك الدول اتخذ قراراً جديداً لأسباب استراتيجية تتعلق بتغير موازين القوى الدولية يقوم على استبدال سياسة فرق تسد بسياسة “جزّءْ تَسُدْ”، أي تجزئة كل دولة مستهدفة إلى أجزاء تحكمها عصابات متناحرة ما يضمن تكريس تخلف تلك الدول وضعفها وفقرها. وهذا من شأنه تمكين القوى الكبرى المعنية من استعباد الشعوب المجزأة وإذلال حكامها وتحويلهم إلى عملاء. إن سياسة “جزء تَسُد” تشمل سياسة فرق تسد بكل ما فيها من ظلم وإساءة لإنسانية الإنسان وحق الشعوب في الكرامة والحرية.
كيف السبيل إلى صياغة خطة عمل تطرح تصوراً مرنا يشمل أكثر من خيار وتبني على أساسه سياسة خلاقة ذات طبيعة دينامية تقترب من الحل الممكن يوماً بعد يوم ولا تتوقف إلا بالحصول عليه؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه مُستخدما نموذج “الوطن المشترك” الذي طورته قبل سنوات ونشرته في كتابي “حل النزاع والمشكلة الإثنية” Conflict Resolution and Ethnicity. فإلى اللقاء في المقال القادم.
*أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في عدة جامعات عربية وأمريكية من بينها جامعات جورجتاون وجونز هوبكنز والجامعة الأمريكية في واشنطن. وجامعة الأخوين في المغرب والكويت، له عشرات المؤلفات في اللغتين العربية والإنجليزية في الاقتصاد والسياسة وحل النزاع والثقافة والاجتماع وفلسفة التاريخ، كما هو أكثر من رواية وقصة ومجموعة شعرية. www.yazour.com