الرئيسية / وجهات نظر / صورتنا على مرآة ليبيا
f98da3d7335bbbd989a5d91d9acc298f

صورتنا على مرآة ليبيا

 

إنّ ما يجري في ليبيا صورة صادقة مؤسفة تنعكس فيها حالة مجتمعاتنا العربيّة دون استثناء. مجتمعات تميّزت بالشقاق واتصفت بالعاطفية وابتعدت عن التعقّل والمعقولية، فلا بصر ولا تبصّر، والتحفت بالانفرادية وعدم توفر الجهود، ومالت إلى التبعية والامتثال للغير، واختصّت بعدم تقدير كفاءة المواطن مهما كان نبوغه، فلا غرابة إن ردّد مقولة “لا نبيّ في قومه”. الأكثر غرابة في هذا هو تقديرنا وإعجابنا بالأجنبي، ولو فقد الكفاءة أو المؤهلات. يفرض علينا كلّ هذا أن نتساءل، كما تساءل المفكر التونسي المحجوب بن ميلاد في ستينات القرن الماضي، (في كتاب “الفكر الإسلامي بين الأمس واليوم”) إذ قال: “هل يمكن أن نخفي على أنفسنا حالنا؟ فما من عضو فينا فيشكو سقما، وما من وظيفة إلا وتعاني الشّلل، وما من ميدان إلا وتصرخ فيه كل الأمور بألف لسان ولسان، مطالبة بالمعالجة والمراجعة والتنظيم والإصلاح”.
يعلم الخاص والعام وضع ليبيا منذ ثلاث سنوات: شقاق وخلافات، تكالب على السلطة، عدم خضوع لنتائج الانتخابات، تبذير أموال وخلق أسباب تحويلات، عنف واعتداءات، اغتصابات واختطافات، تدمير البنى التحتية وتخريب، ثمّ هي حرب أهليّة أو تكاد. فقد لهذا المشهد الشعبُ حماسَه وثقته، وتعرّض لكلّ أنواع الاعتداء على حقوقه وحريته، فأظلمت الحياة في أعينه، فأرسل أنظاره إلى ما وراء الحدود، عساها تنفتح لرياح أمن وسلام وخلاص، كما فُتِحت أمام السلاح والمخدّرات.
تابع وهو في حاله اليائسة، مؤتمرا نادت به أسبانيا عقد في مدريد لمناقشة وضع ليبيا المتردي، من طرف وزراء خارجية بلدان ضفتي البحر الأبيض المتوسّط، وإقرار موقف مشترك لمجابهة مشكله وأخطاره، وإيجاد حلول له.
حلول حملتها لائحة المؤتمر الختامية التي جاء فيها: “نداء بوقف حالي لإطلاق النار، الاعتراف بالبرلمان المنبثق عن الانتخابات الأخيرة كسلطة تشريعية وممثل شرعي، رفض أيّ تدخل خارجي، مطالبة البرلمان بمنح ثقته لحكومة وفاق وطني تقود مصالحة وطنية، ويتوّج كلّ هذا بدستور جديد يُحرز على أوسع موافقة ممكنة”.
يمرّ أسبوع أو يكاد فتنعقد يوم 26 من شهر سبتمبر، ندوة أخرى، في نيويورك، بدعوة من وزير خارجية الولايات المتحدة، ضمّت وزراء يمثلون 13 دولة من دول محيطنا، فتبنّوا بعد النقاش مضمون لائحة ندوة مدريد، مضيفين خارطة طريق محددة لتطبيق مقرّرات الندوة الأولى، فجاء ما يلي: لقاء ممثل الأمم المتحدة الخاص يوم 29 سبتمبر بكلّ الأطراف الليبية المعنية، لقاء آخر يعقد على أرض الجزائر خلال شهر أكتوبر يجمع ممثلي دول الجوار ونوابا عن الأطراف الليبية المتنازعة، ختاما تعقد بمدريد ندوة أخرى في أجل لا يتعدّى الستين يوما من تاريخ لقاء الجزائر، ويشارك في مؤتمر مدريد نواب 13 دولة لها صلة بالمشكل الليبي.
قد يتساءل بعضهم: أين الغرابة في هذا؟ لقد أصبح العالم أشبه بحيّ شعبي، يديره كبيره فيجمع الأعيان والكبار، لحسم خلاف ظهر في هذا الشارع أو ذاك. لا خلاف في هذا، لكن لو نظرنا إلى الأمور عامّة، وإلى وضع ليبيا خاصّة، بمجهر آخر، أكثر دقة لكان من السهل استخلاص أن ما أوصت به الندوتان أو المؤتمران، وسينفذ لا محالة لأن الرفض غير جائز في مثل هذه الأطوار، سبق وأن نادت به أصوات وطنية كثيرة، ذهب صداها مع الريح، رغم ما عرف به المنادون والمناديات من وطنية صادقة، فكان جزاء البعض الاغتيال أو الاختطاف أو التهديد، وهذا أضعف المخاطر. نادت تلك الأصوات وألحت على وجوب إجراء حوار وطني لا تهميش فيه، يبدأ بنزع السلاح، ويتلوه الجلوس حول المائدة إلى أن يبلغ الجالسون الوفاق المؤمل.
كان هذا بالإمكان، لو لم نكن قصرا لا نعمل إلا بأوامر، وإذا كانت خارجية تكون أفضل وأحسن، إذ في قلوبنا مرض، فلا نعبأ بالصّوت الوطني، ولا نكرّم ولا نحترم الأهلي، لكننا نخضع مبتهجين معترفين بالجميل لأمر يأتينا من وراء الحدود. ألم يكن مشرّفا لكلّ الليبيين، مهما كانت انتماءاتهم، لو قالوا تلك العبارة الشهيرة “بيدي ولا بيد عمرو” وجنّبوا بلاهم كلّ ما فقدته من ضحايا بشريّة وبنى تحتيّة ومبالغ مالية وفرصا اقتصاديّة، وما هو أثمن وأسمى، سمعتها وكرامتها وصيتها. صدق رب العزة حين قال: “ألهاكم التكاثر”. لقد طغت على العقل الليبي الجديد، عقل جيل الحكم الانفرادي، ثقافة المادّة وترك ثقافة العمل. فالحالتان لا تنجبان إلاّ الفرديّة والأنانيّة، فتقضيان على كلّ المعايير النبيلة السامية، فترخص الأنفس، وتهمّش الكرامة، وتموت الضّمائر، فتصبح الجماهير طعمة لكلّ طامع، وفريسة لكلّ مفترس أثيم.
لو تبصّرنا في كلّ هذا، لوجدنا أنفسنا بعيدين عن كلّ مفاهيم الأخلاق والوطنية والتدَيُّن، رغم تبجحنا والتحافنا برداء الدّين أحيانا لغايات في أنفسنا. فلا أحسن من قوله سبحانه: “واصبر وما صبرك إلاّ بالله، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق ممّا يمكرون”.
*كاتب تونسي ودبلوماسي سابق/”العرب”