الرئيسية / وجهات نظر / ربيع السياسة وقلق الاقتصاد
367120e6d554df03581f21d0ed82cf0f

ربيع السياسة وقلق الاقتصاد

نظمت تونس، في بداية سبتمبر/أيلول الجاري، ندوة دولية عن الاستثمار، بإشراف من الحكومة، وبحضور نحو ثلاثمائة شخصية من دول أجنبية، وعقدت هذه الفعاليات تحت شعار “الاستثمار في تونس الديمقراطية الناشئة”، وهو شعار يذهب، رأساً، ليثير إشكالية “مُزمنة”، تتعلق بالعلاقة بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي، إذ منذ أن وقف العلامة ابن خلدون في “المقدمة” عن الربط بين الازدهار الاقتصادي ونمو الدول، وبين التقهقر وانحلالها، ظل هذا الانشغال هاجساً مستمراً للأدبيات المتعاقبة، في علمي الاجتماع والسياسة.
فالعلاقة بين “الاقتصادي” و”السياسي” أفقاً للتفكير العلمي وللمساءلة، ظلت من الاهتمامات القوية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، بل وللفكر الفلسفي عموماً، ولعل تبلور حقل معرفي واسع بكل استقلاليته الإبستمولوجية والمفاهيمية، هو “الاقتصاد السياسي”، أكبر دليل على الترابطات العضوية بين الاقتصاد والسياسة، عالمين وحقلين، أو مجالين، لرهان السلطة أو أفقين للمعرفة.
وإذا كانت العلاقة، اليوم، بين التقدم السياسي والنمو الاقتصادي، تبقى بالنسبة لعلم السياسة، على العموم غير مؤكدة، كما توضح تجارب تاريخية عديدة، فإنه، في المقابل، ليس ثمة يقين في أن تقدم الاقتصاد وجلب الاستثمارات وتطوير حالة من “اللبرلة” الاقتصادية كافٍ وحده، ليضمن، في السياسة، انتقالاً هادئاً من وضعية الاستبداد الى أفق الديمقراطية.
الواقع أن تعقيدات التاريخ تتجاوز العلاقة الحدية التي تصورتها الأيديولوجيا الماركسية بين العاملين، “الاقتصادي” محدداً مركزياً و”السياسي” مجرد متغير تابع.
وبعيداً عن التعميمات النظرية، فإن التحدي التونسي يتعلق، في العمق، بالقدرة على إبداع صيغة جديدة، تقطع مع نموذجٍ، طالما رعاه النظام السلطوي السابق، ينبني على فكرة أولوية الاقتصاد على السياسة، وهو الاتجاه الذي كثيراً ما سمّته أوساط مغاربية بخيار “التونسة”؛ خيارٌ كثيراً ما غازل استيهامات منظري الاستبداد في بلدان مجاورة.
وهنا، فإن إحدى حسنات الربيع العربي تجلت بالضبط في انهيار الأسطورة التي رافقت هذا النموذج وأمثاله. إذ فضلاً عن أن فكرة التقدم الاقتصادي بديلاً عن الديمقراطية شمولية في الأصل، فإنه إذا كانت قد توفرت لها ذرائع أيديولوجية في بعض التطبيقات الاشتراكية البيروقراطية، فإنها في الحالات العربية لم تكن تعني سوى تغييب الشعوب عن الجرائم الاقتصادية للنخب الحاكمة ولعائلاتهم، ما جعل هذه الشعوب تعيش أسوأ ما في الاشتراكية البيروقراطية، من دون حتى أن يتوفر لها “أحسن” ما في هذه التجارب.
وليست النجاعة بديلاً عن المسؤولية، كما أن الفعالية ليست بديلاً عن المراقبة، وعموماً، ما حدث من انفجارات عام 2011، أثبت أن ما يسمى التقدم الاقتصادي الذي تمت التضحية بالتقدم السياسي على حسابه، لم يكن سوى “وهم كبير” ساهم تواطؤ الغرب في صناعته، إذ لم تنتج هذه النماذج، في النهاية، سوى اقتصاديات هشة منخورة بالفساد.
ويرتبط أحد عناصر التعقد الذي تعرفة مسارات التحول الاقتصادي، في زمن ما بعد الثورات، من جهة، بالصعوبات الطبيعية للتدبير الاقتصادي، في المراحل غير المُستقرة، ومن جهة أخرى، بحالة الأوهام التي تنتجها القطائع التاريخية عن قدرة التغيير السياسي على الإحلال الفوري لسياسات اجتماعية واقتصادية جديدة وفعالة محل السياسات القديمة والفاشلة، وهو ما يغذّي، بالضرورة، الانتظارات الكبرى التي يعبر عنها انفجار الطلب الاجتماعي، بموازاة وقائع الربيع العربي الذي شكل الاحتجاج الاقتصادي والاجتماعي خلفيته المُباشرة.
بالنسبة للمحللين، فإن فرضية عدم تحول هذا الربيع إلى ردة اقتصادية، وهي الفرضية الأكثر تفاؤلاً في هذا السياق، تنهض تضافر عناصر عديدة للقراءة والتفاعل مع المرحلة، أولها تدبير إرث السياسات الاقتصادية وهشاشتها بكل أعطابها الأصلية، منذ لحظة ما بعد الاستقلالات الوطنية، ثم تحدي تطبيع مؤشرات الثقة والاستقرار والتنافسية، بعد المرحلة الانتقالية التي تلت الثورة. ثالثاً قدرة المحيط الإقليمي والشركاء الاقتصاديين على مُرافقة هذا التحول، ودعمه بمبادرات استثنائية كبرى.
على هذا المستوى، تنتصب مُقارنات مُفارقة عديدة، بين حجم الدعم الذي خصصته المجموعة الدولية والاتحاد الأوروبي، لمواكبة التحول الاقتصادي في بلدان الربيع والاحتضان الذي سبق أن أحاطت به بلدان الجزيرة الإيبيرية، مثلاً، بعد إنجازها الانتقال الديمقراطي، أو بلدان أوروبا الشرقية، بعد موجة الدمقرطة التي رافقت انهيار جدار برلين.
وإذا كان الدعم الأوروبي، أو الصيغ الأخرى التي أنتجها سياق ما بعد 2011، مثل مبادرة “شراكة دوڤيل”، والتي تعهدت بموجبها 22 دولة (مجموعة الثماني بالإضافة إلى دول عربية صاعدة) بتقديم مبالغ وقروض وتسهيلات لدول في طور التحول، أو مشروع إطلاق صندوق لمساعدة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المنخرطة في دينامية التحول الديمقراطي باسم “صندوق التحول”، قد أثبتت محدوديتها في دعم صمود اقتصاديات ما بعد الربيع، والتي تحتاج، بشكل مكثف، إلى تثبيت مؤشرات الاستقرار، ثم البحث عن أفق للإقلاع.
ويطرح حضور المؤسسات المالية الدولية، في المشهد الاقتصادي لدول ما بعد الثورات العربية، بحدة، ملاءمة الوصفات المقدمة من خبراء هذه الجهات الممولة، مع انتظارات المواطنين، خصوصاً في الجوانب المتعلقة بتشجيع إجراءات التصحيح وسياسات التقويم المالي، والتقشف على مستوى الإنفاق الاجتماعي.
على العموم، وفي الحالة التونسية خصوصاً، فإنه، وبالقدر الذي يقود فيه بلد الياسمين، نيابة عن الشعوب العربية، تحدياً في السياسة، ينهض على دفن أطروحة القطيعة “الإثنوغرافية” بين الشرق والديمقراطية، فإنها تخوض كذلك تحدياً مماثلاً، يتجلى في إنجاح التمرين المعقد للاقتصاد السياسي للربيع العربي.
بذلك، هي تغامر بإبداع نموذج تونسي جديد، يزاوج بين السياسي والاقتصادي، بشكل يجعل “التونسة” هذه المرة، حجة للديمقراطيين، وليست حجة عليهم!
* أستاذ جامعي، وقيادي بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية/ “العربي الجديد”