الرئيسية / وجهات نظر / الدستور التونسي الجديد وغلبة التصور الحداثي
82dbf6cae1772ebce3f61a4b34447ba4

الدستور التونسي الجديد وغلبة التصور الحداثي

لا شك في أن المصادقة على دستور تونس الجديد تمثل الحدث الأبرز في تونس خلال هذه الأيام. وهو حدث يحمل من الثراء الدلالي ما يجعل مقاربته تستدعي النظر من زوايا عدّة ومختلفة.
وإذا ما ركزنا تحديدا على التصور الغالب والمُهيمن على مجمل مضامين الدستور الجديد، يمكن القول إن التصور الحداثي المدني قد انتصر بشكل لافت وتمكن أصحابه من التأثير القوي على التوجه الفكري العام والتفصيلي للبنود والفصول الخاصة بالدستور، ناهيك عن كسب معارك الجدل الحامية، التي رافقت عملية كتابة الدستور، أي إن صوت الحداثة وقيمها كان الأعلى. وهي نقطة قوية ومهمة ومفصلية، تُحسب لفائدة النخبة ذات التوجهات الحداثية داخل قبة المجلس الوطني التأسيسي وخارجه، باعتبار أن واقع الحال يشير إلى أن الكتلة النيابية المهيمنة على مجموع نواب المجلس، هي كتلة حركة النهضة الحركة الإسلامية السياسية، ولكن رغم هذا المعطى، فإن الكتل الأقل هيمنة عدديا تمكنت من تمرير فكرها وفرض صورة تونس الحديثة.
فأين يتمظهر ما سميناه بالخصوص غلبة التصور الحداثي في كتابة دستور الجمهورية التونسية الثانية وكيف يمكن تفسير حصول مثل هذه الغلبة؟
في الحقيقة ليس صعبا إبراز مظاهر انتصار التصور الحداثي وانحسار ملامح الدولة الثيوقراطية. فالمحافظة على مضمون البند الأول من دستور 1959 القاضي بأن تونس دولة دينها الإسلام هو في حد ذاته التزام غير معلن بطبيعة الدولة التونسية الوطنية الحديثة ومشروعها البورقيبي. كما أن عمليات المراجعة التي شملت مسودتي الدستور في أغسطس (آب) 2012 ويونيو (حزيران) 2013 في خصوص التوطئة وباب الحريات، مثلت مجتمعة تعزيزا للتوجه الحرياتي المدني. ذلك أن إقرار الدستور الجديد بتحجير التكفير وحرية الضمير واعترافه بمرجعية حقوق الإنسان مرجعية أساسية إضافة إلى حفظ مكاسب المرأة القانونية والتراجع عن مبدأ التكامل بين الجنسين والإقرار الصريح بالمساواة.. كلها علامات واضحة حققت فيها النخبة الحداثية انتصارات رمزية قوية ومن خلالها أرست المبادئ الأساسية للدولة المادية. ومن ثم، فإن النخب المحافظة والدينية لم تتمكن من تمرير آيديولوجيتها وطرحها بالشكل الذي تريده وناضلت من أجله، في دستور تونس الجديد حيث لا يوجد أي تنصيص على إسلامية الدولة ولا على هيمنة المرجعية الدينية المحضة على مضامينه وصولا إلى غياب النظرة الفقهية في مقاربة العلاقة بين الجنسين ومسألة الفهم المقيد لمسألة الحرية.
ولكن ما يمكن أن نلاحظه أن غلبة التصور القيمي الحداثي على التصور الديني المحافظ، لم تكن سهلة وتلقائية. بل كانت نتاج صراع وجدل تغذيا إلى حد كبير من الأزمات التي عرفتها الترويكا الحاكمة والتي أضعفت من قدرتها على التأثير.
ونعتقد أن تفسير مسألة انتصار التصور الحداثي، يتطلب منا الوقوف عند أسباب عدة لعل العامل الثقافي الحضاري أحدها. ذلك أن علاقة تونس مع الفكر الإصلاحي والقيم الحداثية علاقة تاريخية تعود إلى زمن خير الدين باشا وإلى قانون عهد الأمان 1857، الذي يقر المساواة وحق الإنصاف بين المسلم وغيره من سكان الإيالة التونسية وأيضا الثلاثينات من القرن الماضي وصدور كتاب الطاهر الحداد حول المرأة دون أن نغفل طبعا عن المحطة التاريخية، المتمثلة في الخمسينات من القرن الماضي أي مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة التصور والمشروع والرؤية.
وكل هذا التراكم التاريخي في مجال التحديث التدريجي قد فعل فعله في شخصية الفرد التونسي والشخصية القاعدية للمجتمع التونسي ككل. لذلك، فإن نجاح أي توجه ديني متشدد لا يمكن أن يكون في تونس إلا ظرفيا وعابرا وشاملا لفئة اجتماعية محدودة ديموغرافيا وتأثيرا. وهو ما يعني أن الأرضية النفسية الاجتماعية والأخرى السوسيو – ثقافية، هما إلى الأفكار والقيم الحداثية أقرب.
وإلى جانب هذا المعطى التاريخي الثقافي والحضاري والاجتماعي، يبدو أن ما جعل صوت صقور حركة «النهضة» يتراجع ويخفت مع مرور الوقت هو تلك الإخفاقات التي عرفتها ممارستها للحكم وتحديدا ظاهرة الاغتيالات السياسية والتدهور الأمني والمشكلات الاقتصادية. ذلك أنه في العام الأول من حكم «النهضة» ظهرت أصوات تنادي بالإقرار بالدولة الإسلامية وفُتحت مساجد تونس لقوافل الدعاة المتشددين من ذوي الفكر البعيد كل البعد عن سماحة المقاربة التونسية للإسلام واعتدالها. لذلك، فإن خفوت الصوت المتشدد هو نتاج فشل أو لنقل تقهقر في مستوى الأداء، الأمر الذي جعل النبرة تنخفض والاستعداد للتنازل يكبر لصالح النواب والأحزاب والجمعيات ذات التوجهات الحداثية التي كانت يقظة وعرفت كيف تستثمر الإخفاقات السياسية لحركة النهضة في إعلاء صوتها سواء داخل المجلس الوطني التأسيسي أو في نقدها لمسودتي الدستور في 2012 و2013.
يتمثل بيت القصيد في أن تاريخية فكرة الحداثة في تونس وتراكم إخفاقات حركة النهضة السياسية والأمنية والاقتصادية وأيضا ضغوطات المجتمع الدولي المباشرة وغير المباشرة، قدمت معا للمجتمع التونسي دستورا أكثر حرية واعترافا بالحقوق والقيم المدنية.
“الشرق الاوسط”