الرئيسية / وجهات نظر / «بازار» الرئاسة.. التونسية!
957e7a1be04f344c75bd22053ec7c2b0

«بازار» الرئاسة.. التونسية!

باب الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في تونس مفتوح حتى نهاية دوام يوم 22 أيلول الجاري، ورغم مرور ايام معدودات على «فتحه»، فإن عدد المرشحين و»المرشحات» لم يزد حتى اليوم عن عدد أصابع اليد الواحدة يبرز في مقدمتهم الثمانيني وابن كل العصور البورقيبية والبن-علوية و»الثورية» الباجي قائد السبسي رئيس حركة نداء تونس، وهو تجمع حزبي هجين يضم كل «انواع» الطيف السياسي، استطاع هذا الرجل الذي لم يُعقِه تقدم العمر عن الحلم بالجلوس في قصر الرئاسة بضاحية سيدي بوسعيد، حيث جلس «المجاهد الاكبر» والرئيس مدى الحياة الحبيب بورقيبة، وحيث أقام ايضا الجنرال الشمعي الذي قاد عملية «التحول» التاريخي (هكذا كانت تسمية البطانة الفاسدة التي احاطته)، في 7 تشرين الثالث عام 1987، الى ان خلعه التوانسة واجبروه على الفرار واختيار المنفى في الرابع عشر من كانون الثاني 2011، على وقع هتافهم البسيط ولكن المثقل بالمعاني والدلالات «الشعب يريد اسقاط النظام» مطلقاً «رياح» ما وُصِفَ بالربيع العربي، قبل ان يتحول الى كابوس واعاصير عصفت بالمنطقة العربية وادخلتها في نفق مظلم وتيه يتواصل حتى اللحظة، باتت الشكوك تتقدم كل المشاهد والتساؤل حول الوجهة التي نحن سائرون اليها، بعد ان أمسك الغرب الاستعماري بكل الاوراق، وبعد ان تصدرت الصفوف حركات ومنظمات وجيوش التطرف والغلو والتكفير والذبح وقطع الرؤوس وأكل الاكباد وسبي النساء وتهجير ابناء الارض الاصليين وخصوصا المسيحيين، ثم توزيع شهادات الايمان على المسلمين، على نحو يذكر بصكوك الغفران التي كانت الكنيسة الفاسدة تمنحها للبسطاء من المؤمنين، مقابل اموال سائلة واخرى منقولة، عندما كانت تحكم وتتحكم بمصائر الملوك والقادة ونخبة المجتمع وترى نفسها ممثلة للإله على الارض.
ما علينا
موعد انتخابات الرئاسة التونسية يقترب (23 تشرين الثالث القريب) والعد التنازلي لها.. بدأ، وأول من اثار الاسئلة التي لم تجد بعد اجوبة بها، هو حزب حركة النهضة التونسية الذي أعلن في وضوح «لافت» الى ان «لا» مرشح رئاسياً له. كاد هذا الاعلان ان يتحول الى «فرح» ويثير المزيد من التفاؤل بحدوث تغيير نوعي ومهم في المشهد التونسي المحتقن، عندما يُتاح للتوانسة ان يختاروا رئيساً لهم في حرية وديمقراطية ونزاهة وشفافية.. لكن الآمال خابت او خُيّبت، بعد ان اصرّت حركة «النهضة» على تمسكها بمبادرة (..) الرئيس التوافقي التي «طرحتها» بعد اعلانها ان لا مرشح رئاسياً لها..
الامر الذي يزيد من القناعة بأن الحركة التي تحتل (حتى الآن) المرتبة الاولى في المجلس النيابي، لا تريد للتوانسة ان يختاروا لنفسهم رئيساً يحظى بثقتهم عبر التصويت المباشر، لكنها تسعى الى جعل هذا المنصب المهم او احد اعمدة «الترويكا» الحاكمة، مجالاً للمقايضة والمزايدة والمناقصة وإدخالها في بازار التفاوض، على نحو لا يسمح بايصال مرشح غير ذلك الذي ترضى عنه النهضة ورئيسها راشد الغنوشي، الذي بدا في «مرحلة» ما وكأنه قد استوعب الدرس المصري جيداً، وما آل اليه «إخوانه» في مصر بعد ان استحوذوا على السلطة، وعملوا بكل طاقتهم على اقصاء وتهميش باقي القوى التي شاركت في ثورة 25 يناير، ثم استأثروا بالحكم وكذبوا عندما لم يوفوا بوعودهم عدم الترشح للرئاسة، وقبله الوعد بعدم التنافس على «كامل» مقاعد مجلس الشعب (قبل ان يصبح اسمه مجلس النواب) لكن السحر انقلب على الساحر، وبدل ان يقيموا في «القصور الثلاثة».. القصر الرئاسي وقصر الحكومة ثم قصر البرلمان، ها هم مطاردون ونزلاء السجون والمعتقلات والمنافي..
يدرك راشد الغنوشي والحلقة القريبة منه في حزب حركة النهضة، ان شعبيتهم قد تراجعت، وان ما شهدته تونس من مظاهرات واغتيالات واعتصامات وصدامات ما اجبر حكومة علي العريض على الاستقالة، يمكن ان تتكرر رغم انه تصرّف بحكمة ودفع رجله (العريض) للاستقالة استدراكاً للسقوط الكامل وانفجار الاوضاع التي ستعني دخول تونس في مسار العنف والارهاب والحرب الاهلية على النموذج الليبي وربما المصري ودائماً ما يحدث في سوريا والعراق وتجربة «الجهاديين» في جبل الشعانبي شاهد ماثل على طبيعة الاحداث المنتظرة.
لكنه – الغنوشي – بطرحه مسألة الرئيس التوافقي، يُقوّض ويُجوّف الحياة السياسية والحزبية ويسمح للسماسرة والوسطاء والباحثين عن امتيازات السلطة وكعكتها، ان يتقدموا المشهد وان يُفرغوا العملية الديمقراطية من محتواها ومضامينها الحقيقية، وهو امر نحسب ان التوانسة تنبهوا اليه جيداً ولن يسمحو لتلك الافكار المعادية للديمقراطية وقيمها بالمرور، لأن الاساس في الديمقراطية، هو المنافسة وعبر صناديق الاقتراع، وليس بعيداً من ذلك الالتفات الى مسألة مهمة (اخرى) وهي ان عدم ترشيح النهضة لأحد من كوادرها لمنصب الرئاسة، يعكس انقساماً في الرأي وخلافات شديدة كادت تطيح وحدة الحزب وتشظيه (مسألة ترشح حمادي الجبالي للرئاسة) وربما وجد «الحكماء» في هذا الحزب، ان «إعفاء» انفسهم من ترشيح «نهضوي» سيمنحهم هامش مناورة اوسع، لكن الطبع غلب التطبع، ويبدو ان الغنوشي يراهن على تغييرات اقليمية ودولية، تطيح المشهد وتُغيّر من خريطة التحالفات ومعادلة الاصطفافات وموازين القوى الاقليمية، على نحو يُبقي على الاسلام السياسي «المعتدل» مشروعاً ماثلاً للحياة رغم النكسات والهزائم التي لحقت به.
“الرأي” الأردنية