الرئيسية / وجهات نظر / من ربح الحرب في غزة؟ ليست «حماس»
f9e8e88e9ec7b9faa4034c9509b97c71

من ربح الحرب في غزة؟ ليست «حماس»

إذا صحّت الأخبار المتناقلة عن بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي تم التوصل إليه في 26 أغسطس، فهذا يعني أن “حماس” أمضت قرابة الشهرين واستنفدت حياة أكثر من 2000 فلسطيني، وهي تحارب للحصول على ثلاثة أميال بحرية إضافية من نطاق مياه الصيد و200 متر من الأراضي الحدودية الإضافية، ومهما صرّح قادة “حماس” أمام عدسات الكاميرات بأنهم حققوا نصراً كبيراً على إسرائيل، فحريٌّ بهم أن يقلقوا من تفاصيل هذا الاتفاق، وما يبشر للمستقبل المحتمل لغزة.
وليس من قبيل المصادفة أن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، كان يخوض حتى النهاية كما قيل معركةً بائسة داخل الحركة ضد التسوية وضد الاتفاقية التي توسطت فيها مصر، وذلك من غرفة مريحة في فندقه في قطر، أما مسؤولو “حماس” في غزة، الذين لم يعرفوا الراحة نفسها في خنادقهم تحت الأرض، فكانوا أكثر إدراكاً للوقع الكبير الذي خلفته الحرب على سكان غزة وعلى عناصر “حماس” والبنية التحتية للقطاع. والأرجح أن ما أدركه مشعل بصورة أكثر هو السياسة العليا لمفاوضات وقف إطلاق النار: فالورقة الرابحة الوحيدة التي كانت في يد “حماس” هي الاستمرار في إطلاق الصواريخ، انطلاقاً من الأمل المرير في تحسين البنود المطروحة.
وقد رفضت “حماس” بإيعازٍ من مشعل مختلف التغيرات في الصفقة المحدودة التي وقعت عليها في نهاية الأمر، وآخرها منذ أسبوعين حين طُرح اقتراح مصري شبه متطابق، وفي هذا السياق صرح مشعل لمحطة تلفزيونية إيرانية يوم الأحد الماضي “بما أن إسرائيل لا تستجيب لمطالبنا في المفاوضات لذلك رأينا عدم جدواها [واستمرت المقاومة] ولم نوقف إطلاق النار”.
وبعد يومين وافقت “حماس”، خلافاً لرغبة مشعل على ما يزعم، على اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يلبِّ معظم المطالب التي تقدمت بها الحركة خلال النزاع، فالمطلب الشامل برفع الحصار عن غزة- الذي فُرض منذ انقلاب حماس ضد السلطة الفلسطينية عام 2007- قد تبدد ليحل محله التزام إسرائيلي غير محدد المعالم بزيادة تدفق المساعدات الإنسانية ومواد البناء إلى داخل غزة، وتوسيع نطاق الصيد الذي سبق ذكره من 3 إلى 6 أميال بحرية (وليس 12 ميلاً كما طالبت الحركة)، وتضييق المنطقة الأمنية العازلة التي تفرضها إسرائيل على طول حدود غزة من 300 متر إلى مئة متر.
وقد وافقت مصر، وفقاً للتقارير، على فتح معبر رفح الحدودي مع غزة في اتفاق منفصل، علماً أن حتى هذا التنازل ليس مضموناً على ما يبدو، ولكن بغض النظر عن ذلك لا يتوقع أن يتم فتح هذا المعبر على الفور لأن القاهرة اشترطت عودة القوات الأمنية للسلطة الفلسطينية إلى المعبر قبل فتحه، وفي هذا الصدد، فإن معبر رفح ليس غريباً على هذه الصفقة، فبنود وقف إطلاق النار تدعو السلطة الفلسطينية إلى استعادة السيطرة على كل المعابر الحدودية في غزة من أيدي “حماس”.
وعلاوة على ذلك ستتولى السلطة الفلسطينية أيضاً تنسيق وتوجيه جهود إعادة الإعمار التي تحتاجها غزة بشدة، ربما من خلال منح دور لـ”حماس” في لجنة تُكلف لمتابعة المساعدات الإنسانية.
وفيما يتعلق بالكثير من مطالب «حماس» الأكبر – ميناء ومطار والإفراج عن سجناء – فلن تبدأ المحادثات بشأنها في القاهرة إلا بعد مرور شهر على صمود الهدنة، ودون أي ضمانات علنية أيضاً. وفي المقابل يمكن التوقع بأن إسرائيل ستطرح عندئذٍ مسألة نزع السلاح من غزة، وهذا شرط مستحيل حتماً بالنسبة لحركة مسلحة كـ «حماس». وفي النهاية، من المحتمل ألا تعالَج قضية أجور موظفي «حماس» في القطاع العام إلا بعد أن تستكمل السلطة الفلسطينية إجراءات التدقيق الأمني المعمق – ومعالجة قضية الأجور هي مطلب قديم لـ «حماس» نظراً لأن هؤلاء الموظفين الذين يبلغ عددهم 40,000 شخص لم يتقاضوا رواتبهم منذ أشهر.
وعند النظر إلى الصورة الكبرى، يتبين أن «حماس» لم تنجح في فك “الحصار” على غزة (بسبب استمرار الشروط المصرية والإسرائيلية المفروضة على الدخول والحركة في هذا الجيب الساحلي)، ولم تضمن تسديد رواتب أتباعها. ولم ينتج عن هذا الصراع سوى الموت والدمار – وتمهيد الطريق لعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. بيد أن اتفاق وقف إطلاق النار مبهم بما يكفي لكي تعتبره «حماس» “انتصاراً” – وهي رسالة شددت عليها باستمرار منذ توقيع الاتفاق ورافقها ابتهاج وتهليل من الجماهير وتصريحات رسمية عدوانية.
والأمر المعبّر هو أن غياب المكاسب الملموسة لحركة «حماس» لم يترجم إلى شعور بالنصر الكاسح من الجانب الإسرائيلي. فالحرب التي دامت أربعة أسابيع وذهب ضحيتها 70 إسرائيليّاً [71 بعد كتابة هذه السطور] وأًطلق خلالها أكثر من 4000 صاروخ على المراكز السكانية في إسرائيل خلّفت آثارها على المزاج الوطني الإسرائيلي. وأحد الدلائل على الاستياء الشعبي من غياب القرارات الحاسمة في هذه الحملة هو الانخفاض الساحق في نسبة مؤيدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال الأسبوعين الماضيين.
كما أن التكاليف الاقتصادية المترتبة على إسرائيل جراء النزاع، والتي تقاس في نفقات الميزانية وتراجع معدلات النمو، ليست بسيطةً هي الأخرى. فقد توجب إجلاء مساحات كاملة في جنوب إسرائيل على الحدود مع غزة بسبب القصف المتواصل بالصواريخ وقذائف الهاون، لا سيما وأن صواريخ «حماس» وصلت للمرة الأولى وباستمرار إلى تل أبيب لا بل تخطتها، حتى أنها أدت ولفترة وجيزة إلى إيقاف الرحلات الجوية الوافدة عبر المطار الدولي الوحيد في البلاد.
واليوم يعوّل نتنياهو على الأرجح على الذاكرة القصيرة للشعب الإسرائيلي ليستفيد منها عند عودة المياه إلى مجاريها في البلاد ويتمكن الأطفال من الالتحاق بالعام الدراسي في الأسبوع المقبل كما هو مقرر.
ويجدر بالذكر أنه في المرة الأخيرة التي خاض فيها نتنياهو حرباً ضد «حماس»، في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، كان قد توصل بالمثل إلى اتفاق وأنهى النزاع بعد ثمانية أيام. وقد احتج المواطنون في جنوب إسرائيل في ذلك الحين على تلك الخطوة، تماماً كما يفعلون اليوم، وقد تمثّل ذلك بظهور جنود الاحتياط في صورة شهيرة يلقبون فيها رئيس الوزراء بـ “بيبي الفاشل”؛ وقد تصدرت تلك الصورة الصفحات الأولى من غالبية الصحف. لكن رد الفعل هذه المرة سيكون أكثر شدة على الساحة السياسية، وخاصة داخل ائتلافه الحاكم.
وفي الواقع أن الانتخابات المبكرة كانت موضع نقاش حتى قبل اندلاع الحرب. ومن المرجح حالياً أن يستغل خصوم نتنياهو في اليمين، وخاصة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان ووزير الاقتصاد نفتالي بينيت، مفاوضاته غير المباشرة مع «حماس» كمنصة يطلقون منها حملاتهم الخاصة.
لكن يبدو أن نتيناهو كان مستعداً لأخذ هذه المخاطرة، ربما لأن جميع الخيارات الأخرى المتاحة أمامه مع «حماس» غير مستساغة للغاية. ولم ينفك رئيس الوزراء الإسرائيلي عن حصر هدف الحملة باكتفائه بالعبارة “إعادة الهدوء إلى المواطنين الإسرائيليين” – وهو ما حققه في الوقت الحاضر. ولا يخفى أن «حماس» تلقت ضربة عسكرية كبيرة مع تدمير الجزء الأكبر من ترسانتها الاستراتيجية (الصواريخ بعيدة المدى والأنفاق الهجومية).
وإذا أضفنا إلى ذلك اتفاق وقف إطلاق النار الذي أتاح اعتماد نظام تفتيش أكثر صرامة عند حدود غزة، باتت قدرة «حماس» على إعادة التسلح موضع شك فعلي. [ومن ناحية أخرى] إن عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة ستكون صعبة وغير منتظمة من دون شك، ولكن نتنياهو غيّر لهجته بطريقة إيجابية عند مناقشته علناً الدور الذي يمكن أن يقوم به عدوه اللدود السابق، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في غزة.
وما الذي سيحدث إذا فشل كلٌّ من إطار وقف إطلاق النار وقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وآلية التفتيش الدولية المعنية بغزة؟
[الجواب هو أنه] حتى في هذه الحال، ستواصل إسرائيل ومصر سيطرتهما على الأراضي كما كانتا تفعلان قبل نشوب الصراع، كل ذلك دون الحاجة إلى قيام إسرائيل بحملة برية مكثفة في غزة لا تُعرف مدتها وتكلفتها (من ناحية الضحايا الفلسطينيين والإسرائيليين، فضلاً عن مكانة إسرائيل الدولية)، ناهيك عن إعادة احتلال الأراضي التي دعى إليها الكثيرون في اليمين الاسرائيلي. وفي الواقع، لم يذعن نتنياهو للضغط الشعبي بل اتخذ القرار الحكيم من خلال الموافقة على صفقة تضع حدّاً لحرب لم يردها في الأصل.
وفي هذه المرحلة ليس من الواضح ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار سيصمد ويتحول إلى حل أكثر دواماً في غزة. فقادة «حماس» الذين لم يظهروا على الملء لأسابيع غامروا بالخروج من مخابئهم يوم الثلاثاء ووقفوا في شوارع غزة المليئة بالحجارة والركام، وتوجهوا إلى شعبهم ليعلنوا الانتصار كما كان متوقعاً. وقد أعلن متحدث بارز باسم «حماس»، “ما حصل ليس نهاية الأمر، بل جولة واحدة من العديد من جولات هذا الصراع مع العدو الإسرائيلي، (لقد انتصرت المقاومة بفضل الله عز وجل) في هذه الجولة من جولات صراعنا مع المحتل على طريق تحرير شعبنا وأرضنا ومقدساتنا.”
وفي حين من الممكن انهيار اتفاق وقف إطلاق النار خلال شهر أو – كما حصل في الجولات السابقة بين إسرائيل و «حماس» – خلال بضع سنوات، ثمة أمل بأن تبشر هذه الحرب الأخيرة واتفاق وقف إطلاق النار [التي أعقبها]، ببداية جديدة لغزة – حيث يتحرر أبرياء تلك البقعة المشرذمة من عقيدة النظام الإرهابي العقيمة، ومن أي من “انتصاراته” المستقبلية.
*صحفي وباحث في مجالي السياسة والثقافة في الشرق الأوسط