الرئيسية / وجهات نظر / انفصال “كاتالونيا”وإحياء عهد ملوك الطوائف بإسبانيا
52df504cae33c9643210abf88915fd57

انفصال “كاتالونيا”وإحياء عهد ملوك الطوائف بإسبانيا

تعيش الطبقة السياسية في إسبانيا، على إيقاع الجدل الذي فجرته، منذ أكثر من سنتين، مواقف القوى المتحالفة في  حكومة كاتالونيا، الحالية بزعامة  حزب يساري جمهوري، تقوم ايديولوجيته على رفض النظام الملكي إن لم يكن معاداته المطلقة؛أما القوة الحزبية الثانية الحليفة فتوصف بانها “وسط ليبرالي” يؤمن باقتصاد السوق، أي  انه ظاهرا  وباطنا، تحالف ضد الطبيعة.
حدد الحزبان المتوفران على الأغلبية في البرلمان المحلي، موعد الحادي عشر من الشهر الجاري، للشروع في مباشرة الإجراءات  القانونية والتشريعية، لاستصدار قرار.
 دعوة الناخبين في الإقليم، للتصويت على بقائهم أو عدمه، في ظل التاج الاسباني.
ولغاية تحرير التقرير،  الأحد 7 سبتمبر ما زال رئيس الحكومة المحلية “أرتور ماص” مصرا على التشبث بالموعد الذي سيشرعن، من وجهة نظره وشريكه  في الحكومة، اليساري الجمهوري، إجراء الاستفتاء يوم التاسع من نوفمبر المقبل.
 ويراوغ “ماص” بخصوص الامتثال لحكم المحكمة الدستورية، التي ستبت  قطعا، بعدم دستورية الاستفتاء المنظم  بشكل انفرادي، استجابة لطلب الحكومة المركزية التي ستحرك الدعوى بمجرد مصادقة البرلمان المحلي في برشلونة، على إجراء الاقتراع الاستفتائي.
ولا يشك عاقل في طبيعة الحكم الذي سينطق به  قضاة المحكمة الدستورية؛ فالقانون الاسمى للبلاد، واضح في هذه المسألة، ولا يتطلب اجتهادا فقهيا، وسيكون النطق منسجما مع توجهات الرأي العام الاسباني الذي يعارض في مجمله الدعوات الانفصالية المتسرعة،  في كاتالونيا أو غيرها؛على الرغم من تسليمه  بان الوقت قد حان لتحيين العلاقة بين الحكومات المستقلة وبين السلطة المركزية المتوغلة في مدريد، واستبدالها بأسس أكثر تطورا ووضوحا،  في أفق منح الأقاليم، مزيدا من الصلاحيات، وعدالة اكبر في توزيع حصص الثروة القومية. لقد  افرزت التجربة الاولى ما يكفي من المزايا والعيوب، وبات اغلب  العقلاء، مؤمنين ومقتنعين، بضرورة المراجعة  الدستورية بشرط ان يسبقها توافق بين ألوان  الطيف السياسي، يفضي الى تصور هندسة دستورية، توافقية، تضع  اللبنات الجديدة لهيكل الدولة الاتحادية او الفدرالية، في إسپانيا.
وهذا ورش سياسي كبير، ليس من الحكمة الشروع فيه،  في ظل اجواء سياسية تتسم بالتشرذم  والاحتقان، وعدم وضوح الرؤية وكثرة المزايدات  حيال الازمة الاقتصادية التي لم تتعاف البلاد  كلية، من عواقبها  السلبية.
ان الخطوة  الانفصالية التي  دشنتها الأحزاب “السيادية” في كاتالونيا، تبدو غريبة وخارجة عن سياق العصر، بل هي في عمقها  ومقاصدها،انتحارية بامتياز، برأي أي محلل موضوعي. صحيح انه توجد في الاقليم، كما في غيره، نزوعات جهوية مشروعة  في الحدود المعقولة؛ ترفض الهيمنة الممارسة من قبل جماعة  سياسية او ثقافية من خارج النطاق الإقليمي. ان “كاتالونيا” لم تبرأ بالكامل، من الجروح الغائرة المستقرة  في الذاكرة الجمعية للسكان جراء الحرب الاهلية من 36 الى عام 1939، لكنها اسباب لا تبررالمراهنة على السيناريو الكارثي؛ فليست الدولة الحالية ديكتاتورية قائمة على بطش العسكر مثلما كانت في عهد الجنرال فرانكو، ولا تستند على استبداد تمارسه أرومة او قومية متفردة بالحكم.
ليست البلاد  امام حالة السودان وقبله باكستان، اللتين ضيع العسكر فيهما  الجنوب وبانغلادش “، ومن حس حظ اسپانيا انها تنتمي الى فضاء اوروبي، خال من النزاعات  الترابية والحروب الأهلية، يسير، بخطى عقلانية، نحو وحدة السوق وإعلاء المصالح والتكامل النافع بين الشعوب  والأمم.
لا يوجد قطعا خطر خارجي يتآمر على وحدة الشعب الاسباني، إذ لا مصلحة في ذلك للجيران الأقربين والأبعدين.
لكن على القوى الحية في جارة المغرب الشمالية، الانتباه لاستخلاص  العبر مما يتهدد كيان بلادهم ووحدتها وموقعها في أوروبا والعالم. فهاهي الآن تواجه إشكالا في “كاتالونيا”  مماثلا للذي يعاني منه  المغرب، في الأقاليم الصحراوية الجنوبية، مع فارق في التفاصيل والمعطيات، إن  المشترك في المغامرتين الخطيرتين هو الادعاء، انهما استجابة  لرغبة السكان المتوهمة وترك الحربة لهم للتعبير عن المصير السياسي الذي يطمحون اليه.
ومن المؤكد ان جبهة،البوليساريو، والداعمين لها، وسط الجمهوريين الكاتالان، يراقبون التطورات المثيرة الحاصلة، إنهم   يحلمون ويقامرون  على نجاح مشروع الانفصال يلوح  لهم سراب “جمهورية” كاتالونيا المستقلة، على أمل ان تصبح سابقة  لاستنساخ تجربة ملوك الطوائف.
وفي هذا السياق، يجدر التذكير بان تجربة الحكومة المستقلة في،كاتالونيا، شكلت المرجع السياسي والقانوني الذي صيغ على أساسه مشروع  الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية المغربية،
لذا تقتضي الحكمة السياسة من الإسبان، دعم المقترح المغربي، ليس لكونه مستوحى من تجاربها في الحكم المحلي، ولكنه أيضا يقوي الاسس المانعة لأي  تصدع او انهيار يصيب الكيان الوطني آجلا أم عاجلا، ويلقي بضلاله على الاستقرار الإقليمي.
وكما في الصحراء المغربية او كاتالونيا،، لا يحظى خيار الانفصال  في واقع الأمر، وان غازل العواطف الساذجة، بأغلبية مؤيدة بين السكان ؛فكل ما جناه دعاة الاستقلال، بمختلف وسائل الاغراء والابتزاز السياسي، لا يتعدى نسبة 23 في المائة من مجموع الراي العام المحلي،وفق احدث استطلاع اجري قبل ايام، أمام معارضة حوالي 47 في المائة  وتحبيذ اختيار ثالث من طرف 23 بالمائة.
بات الانفصاليون،محاصرين بالقانون وبتفرق صفهم، وبمعارضة  شعبية  قوية داخل الاقليم وخارجه،دون الحديث عن موقف القوات المسلحة الداعم للشرعية الدستورية  ووحدة البلاد
لم يعد امامهم، ان في برشلونة او “تندوف” سوى احتمالين : التراجع عن الخيار اليائس والجلوس الى الحوار والمشاركة في نقاش وطني، يضع كافة الاشكاليات على بساط البحث، لإبرام ” ميثاق وئام وطني  جديد “يشبه  ذلك الذي اتفق عليه الاباء المؤسسون للديموقراطية الاسبانية، بعد وفاة فرانكو،منتصف سبعينيات القرن الماضي
. ومن المفارقات انحزب “وحدة ووئام” الذس آلت زعامته  الى،ارتور ماص، كان ضمنأغلبالقوى السياسية الكتالانية اتي يسرت عملية الانتقال الديموقراطي في اسبانيا، إذ كان مهددا بعودة الفاشية العسكرية.
كل القوى السياسية والشعبية في المغرب وعلى راسها ملك البلاد ورمز وحدتها، يمدون ايديهم منذ عقود، لدعاة الانفصال في تندوف، ليكفروا  عن الخطيئة السياسية, ذلك ما ستضطر إليه،المجموعات الانفصالية في،كاتالونيا، كما فعلت قبلها منظمة “إيطا” الباسكية التي القت السلاح،متريثة الاعلان عن فشل وهمها “الثوري” بالكامل.
وللعلم فقط، فان الباسك وكاتالونيا، قوميتان متميزتان، داخل النسيج الاسباني، ثقافة ولغة وعرقا  وتاريخا، لا يمكن مقارنة ما يباعد بينهما وبين  عموم إسبانيا،بما يجمع  ويوحد بين المغرب وصحرائه الجنوبية.