الرئيسية / وجهات نظر / فلسطين والتجربة التونسيّة
3c485a406b6b8bf61d12cf8e3980afd0

فلسطين والتجربة التونسيّة

طلب الوساطة الّذي تقدّمت به حركة فتح للأستاذ راشد الغنوشي للوساطة مع حركة حماس بهدف فكّ التنازع القائم بين الطرفين وانجاح مسار المصالحة بين غزّة والضفّة وتحقيق الوحدة الفلسطينيّة ، طلب يُؤكّد لا فقط منزلة الغنوشي الاقليميّة وموقعه ضمن تيارات الاسلام السياسي في المنطقة وما يتمتّع به من ثقة واسعة لدى الكثير من الخصوم ، بل هو طلب يعكسُ أيضاً مدى الإشعاع الّذي اصبحت تُحظى بها التجربة التونسيّة في الوفاق والانتقال الديمقراطي وتمهيد سُبل الاستقرار والوحدة الوطنيّة وإطفاء نيران الاحتراب والصدامات المسلّحة والعنيفة ونوايا التقسيم المجتمعي وإذكاء سموم الطائفيّة والمذهبيّة المقيتة. رسالة الرئيس محمود عباس، التي سلّمها السيد جبريل الرجوب نائب أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح» للغنوشي، رسالة شجاعة وجريئة فيها الكثير من الواقعيّة السياسيّة واستيعاب لمخططات الأعداء وضرورات الوحدة وتغليب مصلحة الوطن على مصالح الاحزاب والتنظيمات السياسيّة.
طلب الرئيس محمود عبّاس من قيادة حركة النهضة التدخل لنزع فتيل الخلافات بين حركتي فتح وحماس حفاظا على الوحدة الفلسطينية يعكسُ تطلّعا فلسطينيّا الى الاقتداء بالنموذج التونسي في الوفاق بما يقتضيه من تنازلات وتقدير صائب للموقف السياسي ولموازين القوى، فقد عبّر الرجوب عن استعداد حركة فتح تقديم كل التنازلات التي تقتضيها وحدة الصف الفلسطيني متمنيا في الان نفسه ان تحذو حركة المقاومة الاسلامية حماس حذو حركة النهضة التونسية في تغليب المصلحة الوطنية وتعزيز الوحدة الوطنية ، مؤكدا أن حركة فتح لم ولن تصطف ضد حماس في أي استقطاب اقليمي أو دولي.
إنّ تونس ، ومثلما كانت في الماضي سبّاقة في الحصول على استقلالها من المستعمر الفرنسي ومُراكمة المكتسبات المتعلّقة ببناء مؤسّسات الدولة وحماية حقوق المرأة والأسرة ونشر مختلف الخدمات الاجتماعية من تغطيّة صحيّة وتعليم وثقافة وصيانة التنوّع المجتمعي، فهي اليوم على أبواب سبق تاريخي يُحطّم مقولة الاستثناء الديمقراطي العربي عبر مُمارسة سياسيّة فيها الكثير من النضج تحترمُ مبادئ الحريّة وحقوق الانسان والاختلاف والتنوّع وحق جميع الأطياف والتيارات في التنافس على السلطة وتُقدّس إرادة المواطنين في انتخاب من يتولّى إدارة شؤونهم بعيدا عن كلّ مظاهر الهيمنة والوصاية والاستبداد والإقصاء.
يعيشُ عالمنا العربي اهتزازات شديدة اختلطت فيها الأهداف والمرامي وتقاطعت فيها مطامع القوى الاقليميّة والدوليّة واحتدمت فيها لغة السلاح والقتل وسفك الدماء وقطع الرقاب، وتحوّلت دول كالعراق وسوريا وليبيا الى مرتع لميليشيات التخريب والفوضى وسوق للمخابرات الاجنبيّة المُعادية ومافيا السلاح والبشر والجريمة المنظمة والمخدرات ومخابر لتجريب إمكانات مستعمري الأمس في صياغة سايكس-بيكو جديدة تزيدُ في تشتيت الأمّة العربيّة الاسلاميّة وإضعاف قُدراتها واستغلال ثرواتها.
إنّ فلسطين هي قلب الامة النابض وهي المنبت الرئيسي لجلّ صراعات المنطقة، وصراع غزّة والضفّة بقي عنوانا لحالة التشتّت والصدام بين الأشقاء العرب، ومن المؤكّد أنّ نجاح مسار المصالحة بين حماس وفتح ومختلف الفصائل الفلسطينيّة سيمنحُ الفرقاء في الأقطار العربيّة الاخرى مجالات ارحب لتعميق دروس التجربة التونسيّة في الوفاق والمصالحة والوحدة الوطنيّة والتحرّك بحريّة وأكثر اريحيّة بعيدا عن إكراهات وضغوطات الأعداء ورد مخططاتهم في التقسيم والتشتيت والاضعاف والهيمنة.
“الشروق” التونسية