الرئيسية / وجهات نظر / إنقاذ ليبيا .. بالتساند والإسناد
21885bb561d877376d82e44722942240

إنقاذ ليبيا .. بالتساند والإسناد

لم تعد ليبيا دولة موحدة، لا على المستوى النظري أو العملي، فالخلافات اللفظية الحادة والمريرة التي اندلعت بين المتنافسين السياسيين على مواقع التواصل الاجتماعي عقب سقوط القذافي سرعان ما انتقلت إلى الميدان، واختلط الحابل بالنابل، وفتح باب الحرب على مصراعيه، وتشابكت العوامل التي تدخل منه ولا تخرج، في اللهاث وراء الثروة والسلطة والنفوذ، وصراع القديم الذي لا يريد أن يموت، مع الجديد الذي لا يجد فرصة كي يولد.
والخلاف والشقاق في ليبيا غاية في التعقيد، ومفتوح في الجبهات كافة. فهناك صراع بين قوى البيروقراطية والمؤسسة الهشة القديمة من ناحية، وبين المؤسسات الجديدة التي ترتبت على ثورة 17 فبراير من ناحية أخرى. وهناك صراع بين الجيش الضعيف والمليشيات العديدة والمتوحشة، وهي مسألة لم ينهها ضم المليشيات إلى قوات الجيش المكونة من 100 ألف عنصر، والأجهزة الأمنية المكونة من ضعف هذا العدد، فعلى رغم أن عناصرها تتلقى رواتب منتظمة من الحكومة إلا أنها تُبقي على ولائها لمليشياتها الأصلية، وبالتالي تصبح قوات الجيش والأمن، التي يجب أن تكون الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح في البلاد، مفككة من الناحية الواقعية، ويضرب صراع ضارٍ في جنباتها بلا هوادة، وتدخل على الخط الصراعات القبلية التقليدية ومعها التنافس الجهوي في بلد كان مقسماً من قبل إلى ثلاث ولايات. ويتداخل القتال من أجل حيازة الثروة النفطية مع ذلك الذي يرمي إلى تحصيل النفوذ وسط نعرة قبلية مستعرة. وهناك صراع أشد وطأة بين حاملي الأفكار الدينية المتطرفة التي لا تؤمن بـ«الدولة الوطنية» وتراها «رجساً من عمل الشيطان» أو «بدعة» وبين من يؤمنون بأن الدولة هي الكيان الاجتماعي والسياسي الجدير بالولاء.
وبينما لا تريد قوى ثورية وشريحة اجتماعية كانت مغبونة في حكم القذافي لرموز نظامه أن يعودوا إلى الواجهة ويطلقون عليهم اسم «الأزلام» و«الطحالب» يصارع هؤلاء من أجل الحفاظ على مكتسباتهم بمن فيهم عسكريون وساسة وأفراد أمن ورجال مال وأعمال. وفي البداية حين لم تتمكن أي من القوتين من هزيمة الأخرى استعانت بقوة خارجية بغية تحقيق هذا الهدف، فاستعان القذافي بمرتزقة من بعض البلدان الأفريقية، واستعانت القوى الاحتجاجية بقوات حلف «الناتو»، وهذا التدخل الخارجي فتح نافذة واسعة أمام صراعات إقليمية ودولية على الساحة الليبية، الأمر الذي ألقى بظلال كثيفة على إمكانية فض هذه التشابكات الحادة تباعاً، أو إنهاك الأطراف إلى درجة اقتناعها جميعاً بأنه لا مناص من التفاهم. فالأموال والأسلحة التي تتدفق إلى الأراضي الليبية، وتذهب إلى مليشيات بعينها تطيل أمد الصراع وتؤججه، وتضعف من فرص كل من يسعى إلى حلول سلمية للمعضلة الليبية.
واستمر هذا المسار في الاتكاء على الخارج، فأخذت بعض الأطراف الداخلية تعتمد على أطراف خارجية في تمويلها وتسليحها وتغذيتها بالأفكار والمعلومات وتوجيهها في الساحة الداخلية وتوظيفها كورقة في صراع إقليمي أشمل، يراد من خلاله لليبيا أن تكون نقطة انطلاق لخلق توتر دائم لكل البلدان العربية المجاورة لها، وخصوصاً مصر والجزائر. وهذا الوضع يدفع الدول المستهدفة بالقطع إلى أن تبادر إلى الدفاع عن مصالحها من الأراضي الليبية، عبر تقوية نفوذ ومكانة القوة الساعية إلى لملمة أشتات الدولة، وبناء جسور قوية معها، وتقصير أمد التطاحن الداخلي، فإن تعذر عليها هذا المسار والخيار ستعمل جاهدة على خلق ولاءات داخلية مضادة للتنظيمات والجماعات التي تستهدفها.
وما كان يمكن لكل هذه الألوان من الصراعات أن تظهر على هذا النحو المروع لو أن مرحلة ما قبل الثورة قد رزقت بنظام حكم بذل جهداً معقولاً في سبيل الدمج الطوعي والانصهار الطبيعي لأشتات الدولة الليبية، عبر إجراءات للتحديث السياسي والاجتماعي تقلل من غلواء النعرة القبلية، وتخلق على الأرض شريحة عريضة من المنحازين للقيم الجديدة والاعتدال الديني، وتبني مؤسسات سياسية قوية وراسخة تحمل الدولة نفسها بعد سقوط نظام الحكم. ولكن القذافي دمج الدولة في النظام تماماً واختزل النظام في شخصه، فكان لسان حاله يقول: «ليبيا من قبلي لم تكن شيئاً يذكر، أنا ليبيا وليبيا أنا»، بل إنه قد قال هذا بالفعل في إحدى خطبه خلال الثورة حين صرخ غاضباً: «قبلي كان العالم لا يعرف ليبيا، وحين يذكر أحدهم اسمها أمام أي أجنبي، يسأله: أتقصد لبنان أم ليبيريا؟ أما بعدي فما إن يقول أحد منكم أنا من ليبيا حتى يرد عليه من يسمعه: آه ليبيا القذافي، أنا أعرفه».
أمام هذا التعقيد أو التشابك لا تصلح سياسة الحل الجزئي للمعضلة الليبية من خلال مساندة طرف أو جماعة أو مجموعة أو قوة وترك القوى الأخرى، أو من خلال الاعتقاد بأن الحل سيكون مسلحاً بالضرورة. وهنا على القوى الليبية نفسها أن تختار الآن بين الدولة واللادولة، فإن كان الانحياز للدولة فهذا يفرض على كل القوى السياسية والاجتماعية التي تناصر هذا المسار أن تتوحد في وجه مليشيات تكفيرية وإرهابية لا تقتنع بالدولة وتريد أن تحول البلاد إلى مجموعة من الكيانات الصغيرة التي تفرض فيها ما تتوهم أنه صحيح الدين وهو في الحقيقة مجرد ستار هش لمآرب أخرى، على رأسها تحصيل المال والنفوذ.
وعلى الدول الإقليمية، سواء المجاورة لليبيا أو غيرها من البلدان العربية والأفريقية أن تقف وراء الفريق المنحاز للدولة، وتقنع جماعاته وتجمعاته وأطرافه بأن أحداً لن يكون بوسعه أن يسيطر ويحكم وحده وإنما يريد الجميع إعلاء مبدأ التساند والتآزر، وتقوم هذه الدولة، بإسناد هذا الخيار، ثم دعوة العالم كله إلى فعل هذا، ولاسيما أن القوى الدولية أصبحت معنية بالبحث عن طريق لخروج ليبيا، الدولة النفطية المهمة، من مأزقها.
ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى مؤتمر إقليمي حول ليبيا، يجب أن تحضره الأطراف المنحازة للدولة الليبية في هذه اللحظة بمختلف انتماءاتها الأيديولوجية، وتتفق على خطة متكاملة تطبقها تباعاً في المستقبل من أجل تحقيق مطالب الثورة، أو نقل ليبيا إلى مجتمع ودولة جديدة يكون على القوى القديمة أن تندمج فيها وفق المناخ والشروط التي وضعتها الثورة وليس غيرها. وبهذا يتم تجنب تغول القوى الدينية المتطرفة الرافضة للدولة والتي تزعم أنها صاحبة الثورة، وتتم محاصرتها تباعاً حتى تضع السلاح، بعد أن تقطع ليبيا شوطاً بمساعدة إقليمية ودولية في بناء جيشها الوطني ومؤسساتها السياسية والأمنية والاجتماعية.
“الاتحاد” الإماراتية