الرئيسية / وجهات نظر / انتصارات منسیة في غزة ..
75f181c8b506b67343f491340fe913ee

انتصارات منسیة في غزة ..

كان عنوان وموضوع مقال كتبته الأسبوع الماضي هو “حتى يؤدي اتفاق غزة إلى انتصار”. وهذا يعني أن العنوان يَحتملُ أن يكون أيضا: “ما بعد انتصار غزة”، أو “حتى يستمر الانتصار”.
هناك مجموعة نقاط تصنف في خانة المكاسب والإنجازات أو “الانتصار”، لا يجوز تجاهلها. منها، أولا، أن المقاومة واجهت الإسرائيليين بمفاجآت سياسية وعسكرية تعقّد حساباتهم بشأن أي هجوم مستقبلي، لاسيّما أن سلاح المقاومة ما يزال موجوداً؛ أي أنّ قوة الردع زادت. ثانياً، كانت هناك، إضافة للمفاجآت العسكرية، أدوات إعلامية ناضجة للمقاومة، وخطاب سياسي وإعلامي حازم ومتزن ومعتدل في آن. فعلى سبيل المثال، تقلص كثيراً الانجرار هذه المرة إلى معارك جانبية فلسطينية سياسية، بل تم التعامل مع القوى الفلسطينية المختلفة ببراغماتية مرتفعة، وإدراك للدور الوظيفي الذي تؤديه القوى الفلسطينية المختلفة. وإلى جانب القوة والحزم، لم يكن هناك قبول سريع أو تهافت على أي مبادرة أو إشارة تأتي من مصر، وأديرت العلاقات بما يخدم الشق السياسي من المعركة. وكان مدروساً وملفتاً أنّ حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، اتخذتا قراراً بعدم إدخال المدنيين الإسرائيليين في أهدافهما المباشرة، رغم الإقرار المحق بأنّ الفصل بين المدني والعسكري في الحالة الإسرائيلية صعب للغاية، ورغم الاستهداف الإسرائيلي الإجرامي للمدنيين الفلسطينيين. وكان ثالث الإنجازات تشكيل وفد تفاوض مشترك، يجمع فصائل منظمة التحرير الأساسية، وفصائل المقاومة من خارج المنظمة.
بإمكان خطاب قيادة منظمة التحرير وحركة “فتح”، أن يكون مبتهجاً رغم ألم الضحايا. وواقع الأمر أنّه يمكن ملاحظة أنّ جزءا كبيرا من قاعدة حركة “فتح” والفصائل الفلسطينية قيّم الإنجازات السياسية والعسكرية السالفة بإيجابية، انطلاقاً مما تربى عليه هؤلاء من أنّ التناقض الرئيس هو مع العدو الصهيوني. ولكن، كان هناك سبب إضافي ممكنٌ للابتهاج، هو أنّه يمكن الزعم أنّه رغم الإنجاز العسكري شبه المنفصل لحماس والجهاد الإسلامي، فإنّ إطار منظمة التحرير الرسمي والوطني الجامع فرض حضوره، وأنّ هذا جزء من مكاسب عقود طويلة من النضال، وهو دليل على أنه لا يمكن لطرف فلسطيني أن يتجاهل الآخر. وكان يمكن البناء على تجربة الوفد المفاوض الموحد للوصول إلى نشاط سياسي موحد في ملفات أخرى.
إنجازات أو انتصارات المقاومة، أو تجليّات الوحدة الوطنية، يمكن البناء عليها. ولكن هناك الآن بوادر ميل لتهميشها لصالح الحديث عن مجموعة نقاط ترد في خطاب إعلاميين وقياديين داخل حركة “فتح”، ويمكن تلخيصها فيما يلي: أولاً، أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بتأجيل المطالب لمدة شهر، يعني العودة للمبادرة المصرية كما طرحت منذ البداية، وبالتالي كان ممكنا تفادي الخسائر. وثانيا، هناك إجراءات واعتداءات من قبل عناصر “حماس” في غزة ضد عناصر من “فتح” (وهناك في “حماس” من يدافع عن القيام بمثل هذه الاعتداءات). وثالثا، المساعدات التي ترسل إلى قطاع غزة تباع في السوق. ورابعا، هناك حكومة ظل من “حماس” تتعدى على صلاحيات الحكومة الرسمية. وخامساً، هناك دول عربية وغير عربية تتدخل في الشأن الفلسطيني. أضف إلى هذا، أنه يوجد في شبكات التواصل الاجتماعي من قبل متخصصين في “فتح”، تشكيك بشأن مدى وحدة “حماس”، وأنّ قضية أيمن طه، القيادي الذي قتل أثناء الحرب، ليست آخر قضية غامضة لقيادي في الحركة، وتوجد أمثلة أخرى تقال.
هذه القضايا ليست أمورا ثانوية، ولا يجب أن يجري التغاضي عنها، أو القول إنّ نقاشها لا يكون الآن. ولكن الحقيقة أنّ كل هذه الأمور يجب ويمكن أن تناقش في أطر رسمية داخلية من دون الاكتفاء بالإعلام، بل يمكن تأجيل الحديث الإعلامي. فما الذي يمنع عقد اجتماع قيادي فلسطيني موسع لمناقشة الأداء التفاوضي، مع الأخذ بالاعتبار أنّ أي ضعف في اتفاق غزة الأخير، يتحمل وزره كل من فاوض؟ وما الذي يمنع وضع خطة الآن لهدفين: أولا، مراكمة الإنجازات في إطار من الوحدة الوطنية، ووضع أسس خطاب سياسي وقانوني للتفاوض وملاحقة الإسرائيليين قانونيّاً؛ وثانياً، وضع ضوابط تحقيق واستقصاء ومحاسبة لكل ما قد يبدو تجاوزاً، هذا مع إخبار الرأي العام بنتيجة هذا النقاش والمباحثات، قبل أن يكون “الرشق” الإعلامي هو الأساس؟