الرئيسية / وجهات نظر / الجبهة الشعبية التونسية الرهانات والتحديات
ecf1f4b46bb1f169466719ea86fd8e96

الجبهة الشعبية التونسية الرهانات والتحديات

تعدّ الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة مكوّنا مهمّا من مكوّنات الساحة السياسية التونسية. وكانت قد بعثت للوجود يوم 6 أكتوبر 2012 بعد سنة من انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تونس. فلقد قيمت مكوّنات الجبهة مشاركتها في تلك الانتخابات ورأت أن شرط التوحّد في جبهة سياسيّة شرط لا محيد عنه. ومن رهاناتها ضمان موقع في صلب دائرة صنع القرار التونسي سواء كانت في الحكم أو في المعارضة.
الجبهة الشعبيّة ثريّة بمراجع مكوّناتها، إذ تتكوّن من أحزاب يساريّة، وأخرى قوميّة بشقّيها البعثي والناصري، وثالثة ديمقراطيّة اجتماعيّة، ورابعة مستقلّة غير متحزّبة تنتمي إلى الطيف الديمقراطي والتقدّمي والحداثي عموما. وتتفاوت المكوّنات الحزبية داخل الجبهة الشعبيّة من حيث الأقدمية التاريخية والوزن السياسي الوطني وعدد المنتسبين. وقد اختارت أن تكون قيادتها السياسية بيد مجلس الأمناء المكون من الأمناء العامين للأحزاب المشكلة لها، إضافة إلى ممثلين لغير المتحزبين. وعين مجلس الأمناء المناضل حمّة الهمّامي، الأمين العام لحزب العمال، ناطقا رسميا باسم الجبهة الشعبيّة.
والثراء من حيث المراجع الإيديولوجية والخلفيات السياسية لمكوّنات الجبهة شكّل بعض التحدّيات لها، حيث تسبّبت بعض الخيارات والتكتيكات في انسحاب بعض المكوّنات الراديكاليّة منها لاسيما بعد تشكّل جبهة الإنقاذ التي دفعت إلى التنسيق مع أطراف ليبراليّة مثل حركة نداء تونس. ولكنّ هذه الانسحابات لم تكن مؤثّرة وحافظت الجبهة على توازنها وتمكّنت من أن تقود سفينتها إلى برّ الأمان رغم عدم القدرة على تأسيس مؤسّسات قرار منتخبة وثابتة إلى حدّ الآن.
ومنذ تشكّلها، انضبطت الجبهة الشعبيّة لمقرّرات الصندوق الانتخابي وقبلت بشروط اللعبة الانتخابيّة. ولكن، بعد مضيّ أكثر من سنة على نفاذ الشرعيّة الانتخابيّة، لاحظت الجبهة ممارسات غير ديمقراطيّة في سلوك نظام الترويكا برؤوسه الثلاثة.
ولذلك تحمّلت مسؤوليّتها الوطنيّة ولعبت دورا مهمّا في الساحة السياسيّة التونسيّة، حيث تصدّت لما قدّرت أنّها محاولات للاستيلاء على السلطة. وواجهت الجبهة كلّ محاولات تغيير نمط المجتمع التونسي وكلّ محاولات التراجع عن مكاسبه المدنيّة والحقوقيّة والاجتماعيّة.
قدّرت الجبهة الشعبيّة أنّ المسار الانتقالي التونسي مهدّد بالغرق في مظاهر ستنحرف به إلى المجهول لاسيما بعد أن انتعشت المليشيات العنفيّة، وتطاولت على المناضلين، وعلى المؤسّسات والأحزاب والمجتمع المدني، وصارت تهدّد بخلق سلطة موازية داخل الدولة. ولم يتصدّ نظام الترويكا لهذه المظاهر المليشيويّة، بل شعر التونسيّون بأنّ بعض هذه المليشيات قريبة من أحزاب في الترويكا وتنفّذ أجنداتها. ولا يمكن اليوم تقدير حجم الدعم الذي وجدته هذه المليشيات من قبل تلك الأطراف الحزبيّة المتواجدة في الحكم.
وبالتوازي مع ظاهرات المليشيات العنفيّة، نشأت التيّارات التكفيريّة المعادية للمدنيّة والديمقراطيّة. وسرعان ما غمرت هذه التيّارات الفضاءات العامّة كالشوارع والساحات الرئيسيّة، واحتلّت المساجد وفُتحت أمامها المنابر الإعلاميّة خاصّة الحزبيّة منها.
وكشفت بوضوح عن مشاريعها الرجعيّة. وعبّرت عن رفضها السافر لكلّ أوجه الحوار والتعاطي المدني السلمي مع الشأن العام. وشرعت في ترويج خطابها عن تغيير وجه الدولة والمجتمع بالقوّة.
تفطّنت الجبهة الشعبيّة إلى هذا الانحراف الخطير بالمسار الثوري والانتقالي من المطالبة بالحقّ في العمل والحريّة والأمن والعدالة الاجتماعيّة، إلى تطبيق الشريعة والدعوة إلى الجهاد وتكفير المجتمع وإقامة الحدود والإفتاء بإباحة الدم.
وكان الشهيد شكري بلعيد عضو مجلس أمناء الجبهة الشعبيّة، من أقوى الأصوات المنبّهة إلى هذا الخطر. ولذلك أشرفت الجبهة الشعبيّة على تنظيم اعتصام الرحيل في موفّى يوليو 2013 الذي قاده نوّاب الكتلة الديمقراطيّة بانسحابهم من المجلس التأسيسي مشترطين العودة باستقالة حكومة الترويكا.
وانتهى هذا الاعتصام إلى خارطة طريق وضعتها أربع منظّمات مدنيّة كبرى بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، تقضي بتسليم الترويكا حكومتها لحكومة مستقلّة.
وجرّاء تمسّكها بمطالب الثورة وإصرارها على التصدّي لهذه الانحرافات، دفعت الجبهة الشعبيّة الثمن غاليا، إذ خسرت عضوين من مجلس أمنائها تعرّضا للاغتيال بالرصاص، وهما الشهيد شكري بلعيد يوم 6 فبراير 2013 والشهيد محمد براهمي يوم 25 يوليو 2013.
وكان شكري بلعيد الأمين العام لحزب الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد، قد طلب الحماية الأمنيّة بعد تصاعد فتاوى إهدار دمه، ولكنّه لم يحصل عليها من حكومة الترويكا. أمّا محمد البراهمي الأمين العام للتيّار الشعبي فقد أشعرت بعض السفارات الأجنبيّة وزارة الداخليّة التونسيّة بوجود مخطّط جدّي لاغتياله، ولكنّ الوزارة تخاذلت عن حقن دمه.
*كاتب وباحث سياسي من تونس/ “العرب”