الرئيسية / وجهات نظر / التونسيون في واقع متعدد الاحتمالات
6499eaeb826b55039ad7c5bbcc065f4a

التونسيون في واقع متعدد الاحتمالات

يعيش التّونسيّ منذ الثورة هذا الحدث الملتبس في الأذهان، والمتشاكل في الوعي الجمعيّ بثنائي الفرح المؤجل وبالدّم، على منطق جديد، مضادّ للقديم.
فبعد أكثر من عقدين من أحاديّة الاحتمالات، يجد التّونسيّ نفسـه في واقع باحتمـالات متعـدّدة، بل ومفتـوحة سـرديّا على أكثر من إمكان، ربّما منح هـذا القصة أبعـادا وذكّى فيها التّشويق، ولكنّـه تشويق مـن نـوع مخصوص، ينـأى بالـذات عـما تـروم إلى ما تبغض، وأنت تمشي في الأسواق أو تركب مترو، أو تجلس في مقهى، تتنـاهى إلى سمعك، آفاق ومواعيد، وتتكرّر ذات الأسماء، وذات المصطلحات، يتلوها العامّيّ ويتلوها المتفقّه في الأمر، وما بين البينين.
الانتخابات قاب قوسين أو أدنى من الوقوع، والنّاس يسارعون إلى فعل «التّقييد» أو ينأون بأنفسهم عن ذلك، يؤمن التّونسيّ في قرارة نفسه، أنّ مصيـر بلاده عالق لا محالة بما ستفرزه الصّناديـق، وأنّ اقتصادها وسياستها وثقافتها ومنـاهجها التّربويّة وأمنها أشياء متلوّنة لا محالة بتلك النسـب المئوية الّتي سيعلن عنهـا في نشرة أخبـار ذات مساء من أكتوبر القـادم، إنـه الامتحان الأعسر فـي حياة كـل تونسي، ولكـل تمثله للأجمل، منطلقاته ودوافعه والغـايـات، لكلّ «روماه» وأما الطّريق إليـها فواحـد، الصّنـاديـق ولا شـيء سـواهـا، أسئلـة تطرح نفسها ترافق التّونسيّ في صباحاته، وتستبقيه على خير في ليلـه، هل ستعود النّهضة إلى الحكم؟ أم أنّ نـداء تونس سيفعلها؟ ومن يدري لعل الجبهة تقلب كلّ موازين اللّعبة.
وأيّا كانت خيارات المتسائل فإنّ المنطق يفترض أنّ التّونسيّين كلّهم راغبون في حياة أفضل، ربّما تباينت رؤاهم ولكنّهم لا محالة متقاطعون في ثوابت. الثّابت في تونس، هي القفّة، عساها تكون أثقل وأقلّ تكلفة، الثابت في تونس أن الإسلامي واليساريّ والقومي واللّيبرالي يرغبون جميعا أن يستفيقوا صباحا ليذهبوا إلى شغلهم، أن يعودوا متعبين إلى منازلهم في آخر النّهار. الثّابت، أنّ التّونسيّين صلّوا أو عاجوا على الحانات يريدون أمنا، طمأنينة ما وأخبارا بشهداء أقلّ.
الكلّ هنا «عيّاش»، ومعنى «العيّاش» أن تكون الحياة أيا كان الفريق الحاكم، وأيا كانت أجندته وأيا كانت برامجه، قادرا على أن يمنح التونسي واقعا واضحا، متصالحا مع التّاريخ وحركته، هذا هو التونسي كائن محبّ للحياة، وفي الاحتمالات المتعدّدة قد يختلف التّونسيـون في تقديم احتمال وتأخير آخر، في تثبيت احتمال ونفي آخر، ولكنّ احتمال الحياة يظلّ نقطة يتقاسمها الجميع.
إنّ المتتبّع يلحظ بيسر هذا التّسابق على رئاسة القائمات الانتخابية، ربما توجب علينا أن نتقبّل ذلك من منطلق الطموحات الفردية، وهي مشروعة، ولكن أن يبلغ التّسابق حدّ التّصارع، وممارسة أساليب كنّا نحسبها من خصوصيّات نظام قد أطيح به، فذلك أمر يدفع احتمالات التّونسي جهة التّيه.
السّؤال الّذي يطرحه المواطن في سرّه وفي العلن، هل أنّ تنافس المتنافسين كائن من أجل الوطن، ومن أجل المواطنين، أم متحقّق تحت طائلة الأنانيّة والرّغبة الفرديّة في تحسين وضع خاصّ لإسعاد الزوجة والأطفال بمرتب مغر وأبّهة موعودة؟ ربما تتعذر الإجابة عنه ولكنّها إجابة معلومة، أسماء جديدة تنتظرها يافطات المجلس النيابي وخطب جيدة ومواقف أجدّ، ستستدعى الأسماء إلى بلاتوهات تلفزيّة يحتمل أن يكون ديكورها جديدا، وسيتمّ الإيقاع بها في الكاميرا الخفية، سيغير أصحابها طريقتهم في المشي، وعناوينهم وأرقام هواتفهم، هي مجرّد احتمالات ولكنّها ممكنة، سيكون الطّقس أجمل بعد الانتخابات، والسّماء أوفر مطرا، وسيرتفع منسوب العشّاق وسنغنّي لتونس، مجرّد احتمالات غير قابلة للدّحض ولا شيء يدعمها.
قدر التّونسي، أن يحترف الحزن والانتظار، قدره أن يكون كائنا احتماليا، تلك الاحتمالات لن تنتهي، ولكنّها آخذة في التّوالد، صرنا لا نعيش واقعا سياسيا بوقائع واضحة، وإنّما نعيش احتمالات متعدّدة في واقع ثابت، هم المتحوّلون، وأمّا عامّة الشّعب فمحلّهم الثّبات، الحركة الّتي يعيشون داخلية بامتياز، غير أنّ أملا يظل وحلما مازال يراود النّاس في الأسواق، وفي المترو وفي المقاهي، حسبك أن تتأمّل عيونهم، لتراه بريقا في دمعة عالقة.
*كاتب تونسي/ “العرب”