الرئيسية / وجهات نظر / البي بي سي… الأسطورة والمستقبل الغامض!!
8af4c4ba7fcf1a78c48774ee2f7575bd

البي بي سي… الأسطورة والمستقبل الغامض!!

منذ تأسيسها، قبل حوالي 87عاما، ظلت إدارة هيئة الإذاعة البريطانية “بيبي سي”،  ان  في السلم او في الحرب،  حكرا على الرجال، من الوسط الإعلامي او السياسي، دون ان تصبح من نصيب السيدات  اللائي لم يفكرن  فيها،  الى ان أنصفتهن  سلسلة الأزمات والفضائح المالية  والإدارية التي تتخبط فيها المؤسسة  التي تنقل الى العالم دقات ساعة “بيغ بين” مؤذنة  بموعد نشرات الأخبار الصحيحة،  لدرجة ان الناس في كل مكان، اعتادو ان  يضبطوا عليها ساعاتهم؛ فما تخلفت الاذاعة عن مواعيدها المضبوطة،  ولا أخلت بالتزامها الثابت نحو المستمعين،  بكل اللغات التي تبث بها،  نحو شتى بقاع العالم.
قبل أيام، اعلن رسميا في العاصمة البريطانية،  ان السيدة، رونا فيرهيد، ستتولى رئاسة وادارة الهيأة، باقتراح من وزير الثقافة البرطاني ، خلفا لللورد “كريس باتن” الذي ترك المنصب لأسباب صحية . ستباشر السيدة فيرهيد (53 سنة)اصلاحات جذرية، باتت ضرورية لانقاذ المؤسسة الاعلامية الراسخة من الازمة  وهي التي تمول  اساسا من اموال دافعي الضرائب، ما ضمن لها  على مدى ما يقرب من قرن الاستقلال  عن التدخل الرسمي في خطها التحريري واكسبها مصداقية متوارثة.
ويبدو ان المؤسسة العتيدة، ليست في حاجة الى مهنيين بارعين في الاعلام المرئي والمسموع، فهي  كما قالت الرئيسة الجديدة للمجلس الاداري، زاخرة بالكفاءات  والخبرات  وهي تشعر بالفخر  كسيدة  وقع الاختيار عليها، اذ  ستتولى رئاسة مؤسسة ذات رمزية اعلامية محترمة على صعيد العالم، انتزعتها بكفاءتها من سلطة الرجال .
لكن المسؤولة الوافدة من عالم المال والاعمال، لم تكشف  حتى الآن ملامح خطتها لاصلاح وتطوير “البيبي سي” ما حمل كثيرين على التوقع انها ستكون صارمة وحازمة بخصوص المسائل المالية، ما يستتبع بطبيعة الحال، تقليصا في حجم النفقات وتسريح كثير من العاملين .
والسيدة “فيرهيد” تحمل معها سجلا حافلا بالنجاحات  في التدبير الناجع، تجلى في المهام التي اضطلعت بها في المصارف والبنوك، كما انها أدارت المجموعة الصحافية الكبرى التي تنشر صحيفة ” الفايننشال تايمس” وهي  المنبر والمرجع في سوق المال والاعمال في بريطانيا وخارجها. فالسنوات  الطوال التي قضتها على رأس المجموعة  أكسبتها  بالتأكيد  خبرة مضافة وأهلتها لقيادة  مرفق إعلامي فريد من نوعه في العالم، من حيث اعتماده على التمويل الحكومي  واشتراكات المواطنين، لكنه  أي المرفق مقيد، في ذات  باتباع خط تحريري مستقل عن اي تأثير او نفوذ.   
إن السؤال الذي يدور بأذهان الإعلاميين يرتبط بمدى قدرة الرئيسة الجديدة على التوفيق بين الحفاظ على هوية، البيبي سي، ورأسمالها الرمزي، وبين اخضاعها لمقتضيات  التدبير العقلاني  والتطور الحاصل في الحقل الاعلامي  جراء الانجازات  التكنولوجية المذهلة والسرعة والتنافسية في تدفق الأخبار والمعلومات  التي  تتقاطر  على المستمع والمشاهد لدرجة فقد  معها القدرة على التمييز بين الدعاية والترويج والاخبار الموضوعي الهادف.
المهمة ستكون عسيرة على الرئيسة الجديدة، وهي  بالتاكيد مدركة لما ينتظرها  من تحديات، مزهوة بنجاحها  في تجارب مماثلة.
  ان إحكام القبضة المالية ليس كفيلا  وحده  بإنقاذ مؤسسة إعلامية بحجم وتاريخ وذاكرة، البيبي سي، من التراجع ان لم يكن  الاندثار . ترشيد  المصاريف  يعني بالأساس التضحية كليا او جزئيا بجودة المضمون وسلامة  الخط  التحريري الذي صنع أسطورة   وأمجاد المبنى الواقع في ” بوش هاوس”  ما يقرب من قرن، فأصبحت قرينة الديموقراطية البريطانية ومنتوجها الراقي.
قد تشهد، البيبي سي، في مستقبل الأيام ،هزات وارتدادات متفاوتة، قبل ان تستقر على الوضع  الآمن الذي يراد لها، دون ان يؤثر النهج الجديد في التدبير الإداري، على طبيعة الرسالة الإعلامية  ومدى انتشارها، باعتبارها العلامة المميزة للهيأة .
ان تسليم زمام القيادة لسيدة لا يدل على  انفرادها  بالقرار، بل عليها ان تقنع اللجنة  البرلمانية التي ستمثل أمامها في غضون ايام، بجدوى مخطط  الاصلاح ضمن الحفاظ على هوية النشأة .
وما سيجنب  الإذاعة والتلفزة البريطانية  عثراتها المالية الحالية، هو التفاف الرأي العام والطبقة السياسة حولها .  كلاهما لن يفرطا فيها، باعتبارها مدرسة  إعلامية ذات  رسالة وتأثير متصل، غمر العالم كله بصيته الذائع .
من الطبيعي ان يطال، البيبي سي، التغيير، بعد حوالي قرن من الأمجاد الإعلامية . إنها سليلة الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس، فلماذا لا يخفت وهجها الساطع  عما كان في الماضي؟